أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٩(1) ،
ليس هذا وحسب، بل إن الانطلاق من هذا الانتشار والنظر إليه في ضوء ارتباطه الانثربولوجي بنظم الحياة والمعتقدات الإسلامية الجديدة التى تؤسسه ويعمل هو على نشرها وتكريسها، يدفعنا إلى أن نلتمس لهذه الأبعاد الثقافية تأثيراً عميقاً في النواحي الروحية الأخرى التي فككت سلطة ذلك الموروث القديم وأضعفت من وحدته والحق أن الْمَرْءَ لا يملك إلا أن تأخذ به الدهشة كل مأخذ حينما يدرك أن ما كان يحدد سيرورات هذا الفتح الثقافي للمعتقدات الوثنية، هو نشاط الزوايا والحركات والطرق الصوفية وبالخصوص منها القادرية والتيجانية والسنوسية) التي كانت حلقاتها في كل من السودان والسنغال والصحراء الغربية وشمال أفريقيا مراكز تجمع استقطبت الدعاة والمتصوفة والمجاهدين الحاملين في تعاليمهم ثقافة دينية عميقة تشد إليها بخيوط من حديد عالم هذه الثقافة أولاً، والعوالم التي تقع عليها ثانياً. وإذا كنا لا نرى حاجة إلى التوسع في هذه النقطة بالذات. فقد قالت فيها قولاً كثيراً مختلف المصادر والكتب التي أرخت للثقافة العربية الإسلامية، وتوسعت فيها الدراسات العديدة التي انصبت على هذه الحركة أو تلك من حركات التصوف الإسلامي. وأخص بالذكر هنا الورقة العلمية الجيدة التي تقدم بها الباحث المغربي د. عبد السلام شقور في مظاهر التواصل الثقافي بين بلدان المغرب الغربي ضمن أعمال الجامعة الشتوية (2).
ثم إن سهولة تداول هذه المصادر ووفرتها تغنينا عن مزيد القول في الموضوع، فنحن نجد أنه يكفينا منها أن نؤكد على أن الهدف الذي رسمته هذه الفرق الصوفية في مجاهداتها الدينية، هو إحلال الشريعة الإسلامية محل ما خفلته التقاليد الوثنية بين شعوب وقبائل المناطق الأفريقية من أنماط في التعبير والسلوك لم تعد تملك منها إلا شظايا مبعثرة تعجز عن فرض وجودها داخل ثقافة الفاتح. وسبيلهم إلى ذلك أن ينشروا بينهم تعاليم الدين الإسلامي وقيم الإخاء التي تلقى بينهم ذيوعاً ورواجاً. ذلك هو الوجه الأول لصورة الفتح الثقافي الإسلامي. الوجه الذي يفكك أنثربولوجيا وثنية الموروث الأفريقي الثقافي الوثني القديم، ويحاصر ما تفرع عنه من معتقدات شعبية يدفع بها إلى مكتبة التاريخ. أما الوجه الآخر، الوجه الذي يعين للفتح الثقافي وجهته وغايته، بكل أبعاده الثقافية والحضارية، فيطل علينا إذا نحن سعينا إلى قراءته عبر تطوره ونموه الداخلي داخل دائرة الإسلام. وجه يكون معنى الفتح فيه توسيعاً للحقل الثقافي العربي الإسلامي بكل مكوّناته، أي سعياً نحو إظهار عمق الوعي الأفريقي بمكوّنات الهوية الثقافية الإسلامية والتعبير عنها.
وهكذا فإذا نحن أردنا أن نبين في عبارات مكثفة مضمون هذا الفتح على نحو ما تروجه المصنفات العربية وتسهب في وصفه أدبيات الرحلات الأفريقية فإننا نجده يرتبط ارتباط علة (1) د. حسن إبراهيم حسن وسائل انتشار الإسلام في القارة الأفريقية (مرجع مذكور) ص 34. حسن أحمد محمود: انتشار الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا. ص (2) انظر: د. عبد السلام شقور بعض مظاهر التواصل الثقافي بين بلدان المغرب العربي ضمن أعمال الجامعة الشتوية: مجهودات وإسهامات الأجيال السالفة. عبر التاريخ في بناء المغرب العربي الرباط 1988 ـ ص 41.
229
(1)
بمعلول بالعمل على توسيع فضائه الثقافي والاجتماعي) الذي يمر بالضرورة بتدعيم كيان العروبة انطلاقاً من قوام اللغة العربية، ويعلن بنفس القوة التي يعبر به عن عروبته عن انتمائه إلى الدين الإسلامي، ما دامت اللغة العربية لا تمرّ إلا عبر الإسلام، وما دام الإسلام لا يجد تعبيره الفعلي إلا بتوسط اللغة العربية. وإذا أضفنا إلى كل هذا وحدة التاريخ العربي والأمازيغي الأفريقي، وزدنا عليه إتهام الدعوات الدينية بالعصبية القبلية كدعوة الأدارسة بين صفوف قبيلة أَوْرَبَة. ودعوة الأباضيين في جبل نفوسة وقبائل زناتة في المغرب الأوسط، ودعوة الصفريين في منطقة غمارة وبين صفوف بني واسو المكناسيين ودعوة عبد الله بن ياسين الجزولي في بلاد الصحراء بين قبائل جدالة ولمونة ولمطة. ودعوة المهدي بن تومرت بين قبائل المصامدة وغيرها من الدعوات (2)، صار بإمكاننا أن نقرر أن العروبة التي احتواها الإسلام ويسر لها أطراداً إمكان الفتح والانتشار بين شعوب البلدان الأفريقية المفتوحة، لم يكن قوامها العنصرية الجنسية للعنصر العربي الفاتح، وإنما كانت قاعدتها هي العربية لغة القرآن والثقافة التي نشأت عن طبيعة الاعتناق للإسلام فكانت اللغة هي مفهوم العروبة، وكان الإسلام محور ارتكاز الحياة الاجتماعية والثقافية التي يمارس فعاليته بها وبواسطتها ولأن الأمر كذلك، فنحن أول من يدرك أن الصيغة العربية للإسلام في أفريقيا، أو لنقل عروبة الإسلام (3) لا تخرج عن أن تكون في هذه الحال مححداتها أنثربولوجية ثقافية، تشمل العربية والإسلام معاً. العربية أو الانتساب إلى العروبة لغة وفكراً والإسلام أو ما يعني فطرة الشعور الديني، وفي المجال الذي يهمنا هنا خاصة، إن هذا يعني أن انتشار الإسلام بين سكان المناطق الصحراوية وقبائل الأقطار الأفريقية إنّما أخذ يفرض نفسه ويحصن مواقعه ومن دائرة نفوذه في ذات الوقت الذي اتخذ العربية لغة وثقافة ودينا اتخذها جسراً تنتقل عبره الأقوامية الشعبية والمحلية الأفريقية، ذات الانتماء القبلي أو الإقليمي، إلى الثقافة العربية الإسلامية العالمية.
Sudanic
اللغة
والحق أن هذا الانتماء الثقافي إلى العروبة عروبة الإسلام كان كافياً لكي يساهم في خلق ومد جسور التواصل الثقافي والأمني بين العناصر الأفريقية الأمازيغية المسلمة. وقد يكفي لإبراز هذه الخاصية أن نشير إلى أن ما كان قد تبقى من العناصر الحية أو القابلة للحياة في الثقافات الأفريقية القديمة السابقة على الإسلام - قد اندمج - بصورة أو بأخرى في الثقافة العربية الإسلامية. يتأكد لنا ذلك في بقاء اللغات واللهجات الأفريقية المحلية إلى جانب اللغة العربية التي احتفظت بمركزها كلغة للثقافة والتعامل بل إن كثيراً من المفردات العربية دخلت اللهجات الأفريقية، أو أن هذه الأخيرة دونت بالحرف العربي (4) فبقيت تتحرك من داخل إطار العروبة وبواسطة من معطياتها. ليس هذا
(1) أحمد المالكي: الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي. مركز دراسات. (2) ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر بيروت 1971 - ص 212. (3) نستوحي منها مفهوم محمد أحمد خلف الله: عروبة الإسلام المستقبل العربي 1978 - ص 29. پا ہے (4) جمال زكريا قاسم: مرجع مذكور ص 10.
37
36