أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٨٦مظاهر الوحدة والارتباط بين شعوب الصحراء الكبرى
د. أحمد حدادي
وليلة
كلية الآداب - وجدة
إن الموضوع المقترح للدراسة يرمي إلى إثبات مظاهر الوحدة والارتباط بين شعوب الصحراء الكبرى؛ ولكن الذي يلقي النظرة الأولية يبدو له أن تلك الشعوب تتنوع فيها العقائد والملل واللغات واللهجات والعادات والتقاليد والعناصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها؛ تنوعاً ملحوظاً، ذلك فإن هذا التنوع ليس مانعاً بالضرورة من أن يكون هناك مسائل تتفق فيها تلك مع غيرها بالرغم من استقلال كياناتها وتميز شخصياتها؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ولكن ليتعارفوا (1).
ومع
إن الصحراء مترامية الأطراف وهي تضم أجناساً متنوعة من البشر تختلف إلى حد ما عما نعهده في شمال أفريقيا، بخاصة فهؤلاء يتعاملون مع أولئك ويخالطونهم في شتى الميادين والمعاملات والصحراويون يمتازون بخلال وطبائع وتجارب تخصهم وتدل على شخصيتهم
وعقليتهم وفطرتهم.
الحدود المكانية للصحراء:
يقول مارمول كاربخال عن القسم الثالث من أفريقيا المسمى الصحراء والقبائل التي تعيش فيه: أصغر قسم في أفريقيا تبتدئ من جهة الغرب عند ساحل المحيط حيث منازل
الصحراء هي نون وتمتد من هناك على طول نفس الساحل حتى تصل إلى نهر السنغال وتسير من جهة الشرق إلى
(1) تضمين للآية الكريمة.
تخوم مدينة الواحات ومملكة كاوكة ويحدها شمالاً مفازات بلاد الجريد وجنوباً بلاد السود وهي ليبيا الداخلية التي يصفها بطليموس، ويدخل فيها أيضاً نوميديا وأثيوبيا السفلى ويجعلها متاخمة في الشمال للموريتانيين ولأفريقية بالذات وسيرانكة ويحدها شرقاً بجزء من المزامبيق وأثيوبيا القريبة من مصر، وجنوباً بأثيوبيا الداخلية في إقليم أجسيمية وغرباً بالمحيط من الخليج الهينييري أو الغربي إلى طنجة التي هي طرف موريتانيا الطنجية.
لكن المحدثين يجعلون لهذه الأقاليم حدوداً أخرى ولا يدمجون فيها سوى الصحراء التي هي أرض في غاية الجدب والفقر، ليس فيها إلا مفازات جافة رملية غير صالحة للسكن في أغلب الأحيان، ويقطع الإنسان فيها أحياناً مائة فرسخ أو مائتين دون العثور على قطرة ماء. فالمنازل إذن بها نادرة متباعدة جداً بعضها عن بعض في المواضع التي توجد فيها بحيرات أو غدران، حيث الهواء أكثر اعتدالاً. والسكان القاطنون بالصحراء خشنون جدا) .. لا يفكرون في الخروج من هذه الفلوات ليختاروا مساكن أحسن من مساكنهم وأعظم سكان البلاد يوجدون في القسم الغربي بالقرب من المحيط والنيجر ونون والسنغال، وهو شعب قوي حكم أثيوبيا وخرج منه بعض ملوك السود الذين يحكمون حتى الآن ونزيكة وتوكة وتمطة وبرداوة وتغازة حيث توجد معادن الملح ومنها يحمل إلى الزنوج وأوجلة وسرت وبرداوة وفي بعضها أماكن مُسوّرة بالطوب. وكان سكان هذا القسم الغربي من الصحراء يسمون قديماً بالسبائين من سبأ بن قوس الذي سكنها ويسمى سكان القسم الشرقي فوتيين من فوت بن سام ولهذا أطلق القدامى اسم فوتية على قسم أفريقيا الذي سمي منذ ذلك العهد ليبيا السرنيكية (2).
ويقول بيير جاماش عن الممالك السوداء الأولى في أفريقيا الوسطى «يعتبر تاريخ أفريقيا الوسطى قبل العصور الأولى لزماننا، كتاريخ أفريقيا الاستوائية غامضاً، وعلى الأخص عن الزمن السابق للقرنين 9 هـ - 10 هـ. فإننا لا نملك إلا وثائق موجزة واسطورية في الغالب. فعندنا مثلاً ممالك أسست على أنهر السنغال، والنيجر وفي تشاد، ولكننا نجهل كثيراً نظمها السياسية والاجتماعية والممالك التي نعرفها معرفة أحسن هي التي نشأت في غانة صنغاي النيجر الأوسط) وحول تشاد: الهوسا (غرب تشاد وغانم برنو (شرق وغرب (تشاد وواداي ودارفور
(3)
(1) ومارمول يتعسّف كثيراً في وصف أهل الصحراء بأن قال: وهم أقرب إلى الحيوان منهم إلى الإنسان «أفريقيا» لمارمول کاربخال 1/ 48 ترجمه عن الفرنسية الأساتذة محمد حجي، محمد زنيبر محمد الأخضر، أحمد التوفيق، أحمد
مكتبة المعارف.
،
بن
جلون
(2) نفسه 48/ 1 وفي هذا النص أسماء بلاد وقرى مثل ونزيكة وتاركة ولمطة وبرداوة: انظر التعريف بها كتاب «وصف أفريقيا» للحسن بن محمد الوزان الفاسي 2/ 148 - 156 وستجد أن مارمول كاربخال ينقل عن الوزان وفي هوامش الكتاب تعريفات و شروح مهمة للمترجمين. وانظر كذلك أفريقيا لمارمول. 3/ 177 - 170.
(3) تاريخ أفريقيا الاستوائية الفرنسية جمعه وكتبه بيير جاماش تعريب عمر طلعت زهران. المط. الفارقية 1950. انظر ص 8 -
569
371
370