أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

ذلك عادة البلد ويزعمون أن ذلك صدقات يستعينون بها على جلب المصالح ودرء المفاسد فإذا لم تفعل تلك العادة بطلت معايشهم وقلت أرزاقهم وضعفت شوكتهم وتوارثوا هذه العوائد كابراً عن 10 رجال بالما

(1)

کابر (1).

ومن الملاحظات المهمة التي تتعلق بأهمية الصحراء ما أشار إليه الدكتور محمد الطاهر الجراري الذي يؤكد أن الصحراء كانت ولا زالت أداة وصل فعالة وحدت بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها وعن طريقها تأكدت - بمرور التاريخ - أخوّة عشرات القبائل التي لم ترَ في حدود السياسيين الحمراء إلا خطوطاً وهمية ترفضها طبيعة معيشتهم المتنقلة وتتعارض ووحدتهم العربية والحضارية، فالصحراء بالنسبة إليهم ليست بحر ظلمات بل هي جسر خير ويُمن فالسائرون فيها ينسابون على دروبها الواضحة عبر خمائل واحاتها الهادئة بآلاف القوافل المحملة بالبركة والعطاء والمتنقلة بين طرابلس وكاوار وكانم وزويلة وبورنو وغدامس وتمبكتو ومرزق وجالو وسيوة ومراكش وورقلة وغرداية وعشرات المدن فيما يعرف الآن بتشاد ومالي والنيجر ونيجيريا وليبيا وتونس والجزائر وغيرها (2)

ويقول: وهكذا تحولت الصحراء الطيبة التي كانت مهبط الرسالات وملهمة العبقريات ومصدر الخير إلى عالم للاشباح ومصدر للشر وهادمة للوصل والعرب والمسلمون عموماً لم يعدوا الصحراء حاجزاً ولا مصدر رعب أو قلق ولقد خشيها تاريخياً الإسكندر اليوناني وقيصر الروماني. أما سيف بن ذي يزن وعقبة بن نافع وابن جبير والتيجاني وابن بطوطة وغيرهم من القادة والعلماء والرحالين فما قرأنا لهم شكاوى تتعلق بهذا الأمر فقد كانت الصحراء بالنسبة إليهم أمراً ألفوه ونشأوا فيه وصار وجوده واختراق وهاده وقيعان أوديته والإقامة فيها والتعرف إلى مواطن الخير والشر فيها

(3)

أمراً طبيعياً جداً بالنسبة إليهم …

كما أنه لا ينبغي أن نغفل رسوم الكهوف ونقوش الصخور في صحراء ليبيا فقد ذكر الأستاذ عبد السلام محمد شلوف أن انتشار هذه الرسوم والنقوش إلى جانب مخلفات ما قبل التاريخ وكافة أطوار الحضارات التي سادت المنطقة وتعاقبت عليها يدل على وحدة شمال أفريقيا من البحر الأحمر حتى بحر الظلمات عرقياً وثقافياً وتاريخياً منذ أقدم العصور كما يدل على ارتباط شمال أفريقيا ارتباطاً وثيقاً بحوض البحر المتوسط حيث قامت فيه على التعاقب حضارات راقية تقدمت بالحضارة الإنسانية خطوات سريعة وواسعة وراسخة (4).

أما البرامج التعليمية فقد ذكر الأستاذ محمد صالح أيوب كثيراً من وجوه التشابه بين البرامج

(1) نفسه 56 - 57.

()

(2) انظر مكتبة الثقافة في مجلة الثقافة العربية بعنوان: عدد خاص من مجلة البحوث التاريخية حول تجارة القوافل عبر الصحراء عدد 11 السنة 8 محرم صفر 1391 نوفمبر تشرين ثاني 1981، ص 149.

(3) نفسه.

(4) الثقافة العربية 64 السنة 12 ص 63 بعنوان رسوم الكهوف ونقوش الصخور في الصحراء.

(1)

والمقررات والنشاط الثقافي في شمال أفريقيا وبين ما يوجد في بلد تشاد مثلاً إذ أن الأرضية الاجتماعية للثقافة العربية التي هي تعاليم الإسلام قد تشكلت في حوض تشاد منذ القرن السابع الميلادي وتسربت بشكل طبيعي إلى وسط أفريقيا بشكل عام أي نحو الجنوب وكذلك إلى غرب

أفريقيا وخاصة بلاد الهوسا كما يؤكد ذلك إشارات الكتاب النيجيريين في الوقت الحاضر ويقول الكاتب أيضاً: إن أكبر وجود للثقافة العربية ازدهر في أحضان المعاهد الدينية والمدارس الأهلية التي شكلت المخرج الوحيد لتكوين الإطارات الثقافية خارج الإطار الفرنسي، وهي تؤدي دورها إلى اليوم ولها سعي متواصل من أجل إثبات نفسها وملاحقة التطورات التي فرضتها الثقافة الفرنسية حول حوض تشاد خاصة في سبيل كسر الحاجز العلمي والتقني، وهي تستعين في سبيل ذلك بجميع المراكز العلمية العربية سواء في السودان أو في ليبيا أو مصر وذلك من أجل مواجهة التحديات الثقافية القادمة من فرنسا والمدعومة بشكل مباشرة من الفرانكوفونية بجميع قواها المادية والثقافية (2) بل وكذلك الانكلوفونية.

ويشير أيضاً إلى أن التذويب الفرنسي البلجيكي والتنكر الأوروبي عموماً للثقافة الإسلامية والعربية في هذه المنطقة لم يؤد إلى قلع جذور الإسلام من دول وسط أفريقيا. إذ أن نسبة المسلمين في تشاد تصل إلى أكثر من 65% ثم تأتي الجماعات الدينية وبعدها الجماعات المسيحية. بينما الجابون يختلف فيه الوضع إذ إن نسبة المسيحيين فيه تصل إلى 50% ثم اللادينية ثم الإسلام وفي أفريقيا الوسطى تتحدر الجماعات اللادينية القائمة حيث يوجد حوالي %60% وبعدها المسيحية ثم الإسلام. وكذلك الكونغو الشعبية حيث نجد على رأس القائمة الجماعات اللادينية ولكن بنسبة أقل من بنسبة 60%. ثم الجماعات المسيحية والمسلمة. وكذلك الأمر في الكاميرون حيث تصل نسبة اللادينيين 40 - 45% ثم المسيحيون والمسلمون، وخاصة في الشمال

(3)

ومما يجدر ذكره أن الأستاذ الحسن أنداو - من السنغال - تَنَبَّه إلى أن موضوع الوحدة في أفريقية يعبر بقوة عن المتطلبات النفسية الاجتماعية والعميقة والمتأججة في روح الإنسان الأفريقي ولهذا كتب مسؤول سياسي في هذا الصدد يقول: إننا نعتبر أفريقيا كجسد إذا قطعت إصْبَعاً منه فلن يتألم هذا الإصبع وحده بل الذات كلها وهذه الذات التي هشمها بعض الشيء الاحتلال الاستعماري تتطلب إعادة تجميعها وهو شيء وارد أمام التطلعات الثقافية الأفريقية وهذه الوحدة التي نتوق إليها بكل قوانا يمكن أن نحصل عليها بطرق شتى وعلى درجات متفاوتة من العمق ونكيفها حسب المتطلبات المختلفة هذه الوحدة عبر عنها الشيخ انتاديوب بثقافته التي تؤمن بوحدة الأجناس وعبر

(1) الثقافة العربية عدد 1 السنة 17 ص 52 - 60 بعنوان: جذور الثقافة العربية وسط أفريقيا 4 وفي تشاد وانتشار الثقافة العربية وسط أفريقيا لمحمد صالح.

(2) نفسه ص 67 وانظر أيضاً مقالة أخرى له بعنوان جذور الثقافة العربية في وسط أفريقيا دار وداي وانتشار الثقافة العربية حلقة (2): الثقافة العربية عدد 10 سنة 16 ص 79.

(3) الثقافة العربية ع 2 سنة 17 ص 14.

375

374