أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٩٤تقديم:
إمام
المصادر العربية المتعلقة ببلاد السودان (*)
فيما بين القرن الثامن
ومطلع القرن الخامس عشر للميلاد القراءة والتأويل
أحمد الشكري
طلاق
أستاذ باحث بمعهد الدراسات الأفريقية
المعما ماله
أن تاريخه
يُجمع الباحثون المختصون على أن تاريخ بلاد السودان خلال العصر الوسيط، هو قبل كل شيء قضية مصادر. ذلك أن قلة وندرة المادة الإخبارية المتوفرة، فضلاً عن فقر مضامينها، يمثل عقبة كأداء، أرهقت الباحثين ودفعت بالكثير منهم إلى الاستئناس والاستشهاد - دون حرج - بمصادر متأخرة جداً، ترجع إلى القرنين 18 و 19 للميلاد (1). وباعتبار المرجعية الثقافية للمنطقة، وهي أساساً شفاهية، فإن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، بل تجاوزه ليفصح عن واقع متميز بخصوصية محلية تأذن لنا مرة أخرى باعتماد الرواية الشفوية (2)
بنا
) يطلق على هذه المنطقة كذلك بلاد التكرور» أو «السودان الغربي» أو إفريقيا الغربية ونقصد بمجموع هذه الإصطلاحات، المجال الممتد فيما بين المحيط الأطلسي غرباً وبحيرة تشاد شرقاً، شمال نطاق الغابات الاستوائية وجنوب الصحراء الكبرى. وحسب خطوط العرض، فإن بلاد السودان تنحصر فيما بين خطي عرض 11 و 17 شمالاً.
،
(1) نقصد مذكرات الرحالة الأوروبيين، الذين زاروا غرب أفريقيا بهدف الاستكشاف أو التمهيد للاستعمار. نذكر منهم: هنري بارث (Barth) وفليكس دوبوا Dubois) ، وأوسكار لانز (Lenz) وتوظيف هذه المذكرات المتأخرة، وكأنها تملك مصداقية معتبرة إزاء المجتمع السوداني الوسيط، لا يكون في كثير من الأحيان بريئاً من بعض الخلفيات الذاتية، خاصة مؤرخي الفترة الاستعمارية حيث أن اعتمادها يستهدف التأكيد على أن المجتمع السوداني لم يعرف طيلة تاريخه تغييرات جذرية إلا مع الاستعمار وتأخذ المسألة دلالات أخرى حينما نصادفها في دراسات بعض المؤرخين الأفارقة، حيث يصبح الداعي لاعتمادها نابعاً من رغبة حادة بضرورة كتابة التاريخ الوطني لبلدانهم مهما كانت أو بلغت التنازلات المنهجية. ونفس الملاحظة، تنسحب على ضرورات اعتماد الرواية الشفوية. (2) المقصود بالرواية الشفوية، تلك الأخبار المتواترة عن أحداث تاريخية ماضية غير مدونة، يتناقلها الأحفاد وتتداولها فئة خاصة من المجتمع الأفريقي منذ عهود قديمة وهذه الفئة المتخصصة، تتمتع بنظام خاص وقواعد مضبوطة تحكم مهنتها الشيء الذي يضفي نوعاً من المصداقية على رواياتها. ويترتب عن ذلك ضرورة التمييز بينها وبين الرواية الشفوية العادية أو الشعبية الحبلى بالخرافات والأساطير الخيالية التي نجدها عند الكثير من الشعوب والمجتمعات.
عن
الأجداد،
بھال
المنطقة
بجانب الكتابات المتأخرة - كأحد مصادر تاريخ المجتمع السوداني الوسيط. وتشكل المصادر العربية لظروف سنعود إليها أهم الشهادات المتوفرة لدينا عن تاريخ خلال الفترة المعنية؛ وهي كما ألمحنا أعلاه قليلة وفقيرة من حيث مضمونها. لذلك، نادراً ما نجدها تفصح عن دلالتها بوضوح وتعفي الدارس من عملية معالجتها على عدة مستويات قبل الإقدام على استغلالها.
أكثر من ذلك، فإنه حتى بالنسبة للقرن 14 م، الذي يوافق أوج معلوماتنا عن المنطقة (مع كل من ابن بطوطة والعمري وابن خلدون، فإننا نستطيع بالكاد أن نجيب عن بعض الأسئلة التاريخية ذات الطابع الحدثي أو الوقائعي مثل تحديد فترة حكم ملك أو ضبط سنة حجه أو رصد بعض أعماله
وغزواته ..
•
122 (84)
أعمال
والحالة هذه، يصعب علينا الانخراط في أركيولوجيا الحياة اليومية السودانية خلال العصر الوسيط ويبقى الإنصات إلى نبضات المجتمع السوداني، ومحاولة الكشف عن تاريخه العميق، حلماً بعيد المنال لدى المتحمسين لنظرية التاريخ القاعدي للمجتمعات أو «الزمن الطويل» بمفهوم المؤرخ الفرنسي ف بروديل (F. Brandel) . وغني عن البيان هنا، أن مثل هذه الصعوبات تفتح الأبواب على مصراعيها أمام الباحثين لتقديم قراءات وتأويلات مختلفة وحتى متضاربة للنص الواحد الشيء الذي يفسح المجال لاستنتاجات مغرقة في الذاتية، وبالتالي مجانبة للواقع التاريخي، خاصة بالنسبة لمن لهم حساسية سالبة تجاه الإسلام وتجربته ببلاد السودان. ويمكننا بهذا الصدد أن نقف على انحرافات وهفوات منهجية صارخة، نصادفها حتى في مؤرخين طلائعيين ممن لهم تجربة ودراية رائدتان في تاريخ المنطقة (1). هكذا، يمكن أن نجد منهم من يحاكم أصحاب مصادرنا بقيم ثقافية معاصرة؛ وآخر يصرح عَلَناً أو تلويحاً بانتمائه للمدرسة المادية التاريخية وشغفه بها، وفي نفس الوقت يصدر في دراسته عن تصورات تعتبر قمة في النظرة الغيبية اللاهوتية. وثالث يعتقد أن لعبة التأويل حكر عليه ولا تخضع لأي تقنين، فيثمن رواية مصدرية على حساب أخرى لحاجة في نفس يعقوب، حتى يتمكن من تمرير مواقف تخجل مكانته العلمية من الإفصاح عنها صراحة. ورابع يأخذ بالمناهج المستجدة في علم التاريخ، ومع ذلك يُظهر نفوراً غريباً من توظيف المنهج المقارن واللائحة طويلة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار دراسات الباحثين الذين لا يملكون تجربة الرواد وخبرتهم. إننا أمام لعبة مشبوهة ولا صلة لها بآليات البحث العلمي. وتجدر الإشارة بهذا الصدد، أنه في الوقت الذي يتعامل فيه الباحثون الأوروبيون بحذر شديد مع الشهادات المصدرية العربية، ويعملون
raer
(1) لسنا في حاجة إلى التأكيد على ريادة الأعمال والأبحاث الأوروبية في حقل الدراسات الأفريقية. لذا، فإن جل ملاحظاتنا تستهدفها أساساً، أكثر مما تعني الدراسات العربية أو الأفريقية، التي ما تزال يافعة.
387
386