أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

على التشكيك في مصداقيتها، نجدهم في ذات الوقت لا يمارسون نفس المنهج العلمي الصارم إزاء المصادر البرتغالية والأوروبية بصفة عامة، المتعلقة بتاريخ بلاد السودان خلال العصر الوسيط. لذا، علينا ألا نستغرب استهلاكهم للشهادات البرتغالية حتى دون معالجتها. أكثر من ذلك، نجدهم يبحثون لها عن مبررات واهية لإضفاء المصداقية عليها ويجهدون أنفسهم كل الإجهاد لبناء أهرامات فوق كل إشارة مصدرية مسيحية حصلوا عليها. ولعل تصنيفهم لمؤلف الحسن بن محمد الوزان وصف أفريقيا ضمن المصادر المسيحية المتعلقة ببلاد السودان يحمل أكثر من دلالة في هذا الاتجاه. تقودنا هذه المعطيات أو التجاوزات التي نصادفها في أعمال المختصين في الدراسات الأفريقية - وأغلبهم أعاجم - إلى ضرورة إعادة النظر في عملية قراءة وتقييم المصادر العربية المتعلقة ببلاد السودان خلال العصر الوسيط.

مرتيمع مضيلة

السالم

ATT

ما دام التقيات -1 ظروف إنتاج الشهادات المصدرية العربية حينما أعلن ألفونس جويي (A. Gouilly) أنه بالإسلام يبدأ العصر التاريخي لأفريقيا السوداء، فإنه لم يكن يقصد كما اعتقد إبراهيم، طرخان ارتباط ازدهار الحضارة السودانية بالإسلام فقط، وإنما قصد أساساً أنه بمجيئ العرب المسلمين إلى شمال أفريقيا، واتصالهم بأفريقيا السوداء جنوب الصحراء، بدأ تدوينهم لتاريخ المنطقة، وبذلك دخلت البلاد مرحلة التاريخ المكتوب (1).

،

(2)

ويتأدى لنا من ذلك أن الفترة السابقة عن مجيء العرب المسلمين، أي فترة ما قبل القرن الثاني الهجري (8 م) لم تخلف لنا شيئاً ذا بال عن بلاد السودان. ويرجع سبب هذه الحالة إلى تأخر ظهور الكتابات المحلية، حيث إن أولى الكتابات التاريخية السودانية لم تظهر إلا في القرن 16 م، مع كل من محمود كعت وعبد الرحمن السعدي بموازاة مع ذلك فقد امتد جهل أوروبا المسيحية بمناطق وشعوب أفريقيا جنوبي الصحراء حتى بداية عصر الكشوفات الجغرافية خلال القرن 15 م لهذه الأسباب، نجد الشهادات العربية قد احتكرت جل معلوماتنا عن تاريخ بلاد السودان خلال العصر الوسيط؛ وبذلك شكلت أهم مصدر وخير دليل نملكه عن تاريخ المنطقة. وهذه الظاهرة لا تنسحب على منطقتنا وحسب، وإنما على عدد غير قليل من المناطق الأخرى التي تعرف عليها المسلمون أثناء وبعد فتوحاتهم. وبهذا الشأن، يقول المستعرب الروسي أ. يو. كراتشكوفسكي في معرض تقييمه للأدب الجغرافي العربي خلال العصر الوسيط: «لا يقتصر محيط الأدب الجغرافي العربي على البلاد العربية وحدها بل يمدنا بمعلومات من الدرجة الأولى عن جميع البلاد التي بلغها العرب أو التي تجمعت لديهم معلومات عنها، وذلك بنفس الصورة المتنوعة التي وصفوا بها بلاد

(1) طرخان (إبراهيم علي): دولة مالي المسلمة مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973، ص: 7.

Mauny T.، Tableau Géographique de l'Ouest Africain au Moyen-Age، Mém. de l'IFAN، N° 61، - 6 Amsterdam، 2 éd.، (2)

1967، p. 24.

الإسلام. وقد يحدث أحياناً أن تمثل المادة الجغرافية العربية إما المصدر الوحيد أو الأهم لتاريخ حقبة معينة لقطر ما» (1). وعندما نحاول رصد أصناف المصادر العربية التي تضمنت إشارات عن بلاد السودان، يمكننا أن نصادف المؤلفات التاريخية والمصنفات الجغرافية (2)، وكتب الأدب والفقه والتراجم والمعاجم والنوازل إلخ. وقد يغري هذا التنوع في مصادر معلوماتنا، بإمكانية تصنيف أو ترتيب المادة الإخبارية حسب كل صنف معين من هذا التراث. بيد أن قلة معلومات صاحب المصدر وتداخل اهتماماته وانشغالاته المعرفية، فضلاً عن صعوبة تحديد نسبة معلوماته لفن معين كل هذا يحول دون استيفاء الغرض المتوخى.

لذا، يبقى الترتيب الزمني أفضل وسيلة تقربنا من الشهادات المصدرية العربية، بحيث يقدرنا على رصد تطورها واستجلاء خصائصها الثابتة وبالتالي يسمح لنا باستيعابها في شموليتها. ويمكننا في هذا الإطار، تمييز محطتان أساسيتان في سيرورة تطور الرواية العربية المتعلقة ببلاد السودان قبل منتصف القرن 15 م.

به کمال

أ ـ المرحلة الأولى: من الفزاري إلى ابن حوقل (القرن 8 ـ 10 م): على امتداد القرنين المنحصرين فيما بين الإشارة الأولى للفزاري (3) وانتهاء ابن حوقل من تحرير مؤلفه صورة) الأرض سنة 378 هـ / 988 م، تطرح المصادر العربية مجموعة من المعلومات تشترك في عدد من الخصائص التي تميزها. نسجل بدءاً أن جل المادة الإخبارية المتوفرة في هذه الفترة هي مشرقية الأصل. وبالنظر إلى حداثة التواصل ما بين العرب والسودان، فقد كان طبيعياً أن تطغى المادة الجغرافية في الشهادات العربية. وهذه الحالة تشهد على التطلعات العربية الأولى لاكتشاف مجاهل أفريقيا جنوبي الصحراء، وذلك على اعتبار مجاورتها لدار الإسلام. وإذا استثنينا ابن حوقل الذي زار أو دغشت، فإن أحداً من أسماء الفترة المعنية، لم يذهب لبلاد السودان ليسجل لنا مشاهداته وملاحظاته بصفة مباشرة، وإنما اكتفى جلهم بتسجيل الأصداء التي كانت تصلهم عن جوف أفريقيا، أو نقل الحكايات الأسطورية عنها الموروثة عن العصر القديم

(1) كراتشكوفسكي أغناطيوس يوليانوفيتش): تاريخ الأدب الجغرافي العربي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1987، ص 2 مصححة ومنقحة. [نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم، ص: 19.

(2) بشقيها الفلكي والوصفي، وقد اصطلح العرب على تسمية الأولى بعلم الأطوال والعروض أو علم «تقويم البلدان»، في حين أطلقوا على الجغرافية الوصفية اسم المسالك والممالك»، ومضمونها يتقاطع مع أدب الرحلات في عدة أوجه. (3) مفادها: عمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في أربعين فرسخاً». انظر: المسعودي علي بن الحسن البغدادي مروج الذهب ومعادن الجوهر. بيروت: الجامعة اللبنانية، 1966 - 1979. تحقيق شارل بيلا]. ج 2، ص 377.

389

388