أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٩٦لذلك، اختلط الواقع بالخرافة أو العجائب، وبالتالي جاءت معلوماتهم غامضة ومضطربة. ومما لا شك فيه أن مسألة التمايز الثقافي بين العرب والسودان بالإضافة إلى حاجز الصحراء والبعد الجغرافي للمشرق الإسلامي عن المنطقة، كلها عوامل ساهمت بشكل أو بآخر في تكثيف حالة الضبابية حول الشهادات المتوفرة.
وهذه الحالة، لا تماثل اللوحة التي خلفوها لنا عن الحضارات القديمة (الفرس، اليونان، الرومان) التي استأثرت باهتمامهم وبلغت معلوماتهم عنها مستوى رفيعاً عند نهاية القرن الرابع الهجري (10 م) (1).
المالية
كما أن التزام أصحاب مصادرنا بضروريات منهجية في تصنيفاتهم جعل بلاد السودان خارجة عن دائرة اهتماماتهم. من ثمة كانت إشاراتهم عن المنطقة عارضة غير مستهدفة، ولم يشكل الكلام عن بلاد السودان قط، موضوعاً قائم الذات في أعمالهم. المراة واية ناك وهذا الالتزام المنهجي، عبر عنه غير واحد في مقدمة مؤلفه، وتواضع عليه جل أصحاب مصادرنا المنتمين للمرحلة الأولى يقول الأصطخري حوالي سنة 340 هـ / 951 م: «أما بعد فإني ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها [ … ] ولم نذكر بلد السودان في المغرب والبجة والزنج ومن في أعراضهم من الأمم لأن انتظام الممالك بالديانات والآداب والحكم وتقويم العمارات بالسياسات المستقيمة وهؤلاء مهملون لهذه الخصال ولا حظ لهم في شيء من ذلك فيستحقون به إفراد ممالكهم بما ذكرنا به سائر الممالك (2).
تاله
على ضوء هذه المعطيات، يمكننا قراءة اللوحة التي تقدمها لنا المصادر العربية عن بلاد السودان إبان الفترة الأولى.
وعندما يسجل يوسف كيوك (J. Cuog) ظاهرة الانتحال ويواخذ أصحاب مصادرنا عليها، ثم يدعونا إلى ضرورة اتباع منهج الإسناد للوصول إلى صاحب الخبر الأصلي، فإنه يسجل ملاحظة
(1) كراتشكوفسكي، ص 192.
(2) الاصطخري: كتاب مسالك الممالك، ليدن، 1927. [تحقيق دي كوجي]. ص 2 - 4.
ونفس الفكرة نجدها عند المقدسي وابن حوقل وغيرهما. وقد استغل عدد من الباحثين مثل R. Many و J. L. Triad) هذه الرواية للتدليل على مدى احتقار العرب المسلمين للسودان. ولو أدركوا أن عبارة الاصطخري ومن في أعراضهم من الأمم. .»، تنسحب حسب المسعودي على الصقالبة والفرنجة ومن جاورهما من الأمم، لذهبت بهم أهواؤهم ونزعاتهم العصبية بعيداً. وقد لا نحتاج إلى كبير جهد لإقناع أصحاب هذا التوجه اللاتاريخي، إن فكرة عالمية الإنسان وشمولية التاريخ، فكرة ابتدعتها ثقافة القرن العشرين وليس العاشر وأنه إلى بداية القرن،20 م كان أقطاب الفكر الأوروبي - وما يزال البعض منهم لحد الآن - يعتقدون في مركزية الحضارة الأوروبية بناءاً على ما تقدم لا يليق بنا كمؤرخين أو باحثين أن نحاكم الاصطخري أو ابن حوقل بمكتسبات عصرنا. انظر:
Triaud J.L.، Islam et sociétés soudanaises au moyen-âge. Recherches voltaiques 16. Paris - Ouagadougou، 1974، p.58.
دقيقة (1).
(2).
بيد أنها ملاحظة لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف التي أدت إلى النقل (الانتحال)، وإلا سنفهم بأن العملية مقصودة في حد ذاتها، بينما الأمر غير ذلك، حيث إن أصحاب مصادرنا اجتهدوا في تجنب الانتحال المقصود معطى القول، فإن السياق الذي أفرز لنا معلومات المرحلة الأولى، يعلّل ضحالتها وامتزاجها بحكايات ذات بعد عجائبي وغرائبي. لذا، فليس من الغرابة في شيء أن تكون مسيرة أرض الحبشة والسودان مسافة سبع سنين (3)، وأن تكون لعنة نوح عليه السلام على ابنه کوش سبب تعمير بلاد السودان (4)، وأن ينبت الذهب في غانة مثل الجزر (5). أما أصل نيل السودان، فتلك قصة ظلت منذ بطليموس غاية في الغموض، ولم تعرف حلها النهائي إلا مع ظهور المستكشفين الأوروبيين خلال القرن 19 م (6).
لقد أحصى الأب يوسف كيوك في مدونته الخاصة بالمصادر العربية المتعلقة ببلاد السودان خلال العصر الوسيط … Con Recueil) قرابة أربع وعشرين إسماً عربياً، تضمنت مؤلفاتهم إشارات عن المنطقة فيما بين القرن 2 و 4 هـ / 8 - 10 م. وإذا أشحنا النظر عن المعلومات الغامضة أو تلك التي ترتبط بأدب العجائب والغرائب، فإن حصيلة معلوماتنا، تبقى رهينة أربعة أسماء أساسية:
نعيد
ابن عبد الحكم عبد الرحمن بن عبد الله المصري صاحب المؤلف التاريخي «فتوح مصر والمغرب» (7)، توفي بالفسطاط عام 275 هـ / 871 م. وعنوان مصنفه يدل على موضوعه، في هذا الإطار أشار ابن عبد الحكم إلى فتح عقبة بن نافع الفهري لكوار سنة 46 هـ/ 666 م، ثم ألمح إلى حملة عبيد الله بن أبي عبيدة (وهو أحد القواد في عهد الولاة بالمغرب لسوس وأرض السودان سنة 116 هـ / 734 م. وهاتان الإشارتان، تسجلان لنا أول احتكاك مباشر بين العرب الفاتحين وقبائل أفريقيا السوداء الصحراء.
جنوبي
Cuoq J.، Recueil des sources concernant l'Afrique Occidentale، du VIII° au XVIè siècle (Bilad - Al-Sudan)، éd، de (1) C.N.R.S.، 2 è éd.، Paris، 1985، p.31 - 33.
، ص
230
(2) انظر رواية المقدسي بهذا الخصوص، أوردها كراتشكوفسكي (3) ابن خرد ذابه: المسالك والممالك ليدن، 1889. [تحقيق دي كوجي]. ص: 93. (4) انظر موقف ابن خلدون الذي يعرض لهذه الفكرة وينتقدها، في: مقدمة العبر (أو المجلد (1) بيروت، 1968. ص 141 - 142.
(E)
(5) ابن الفقيه: مختصر كتاب البلدان، ليدن 1985 [تحقيق دي كوجي]. ص 87. (6) منذ عهد الجغرافي والفلكي اليوناني بطليموس القرن) (2 م إلى القرن،19 م كان الاعتقاد السائد هو أن نهري النيجر والسنغال هما فرعان لنيل مصر، الذي منبعه منطقة ما جنوب خط الاستواء حيث جبال القمر. لذا، فإن جميع مصادرنا المعنية كانت تطلق على نهري النيجر والسنغال النيل السوداني دون تمييز بينهما.
C ، (7) ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب مصر لجنة البيان العربي 1961 [تحقيق عبد المنعم عامر]. 391
390