أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

اليعقوبي: الجغرافي والمؤرخ أبو العباس أحمد بن يعقوب اختلف الدارسون في تاريخ وفاته، إلا أن أغلبهم يرجح سنة 284 هـ / 897 م. كانت لليعقوبي سياحة في بلاد الإسلام شرقاً وغرباً،

الشيء الذي (1)، مكنه من جمع مادة كتاب البلدان (1)، الذي انتهى من تأليفه عام 278 هـ / 891 م. مع اليعقوبي نحس الرغبة العميقة للعباسيين في التعرف على الغرب الإسلامي (المستقل عنهم) والمناطق المجاورة له من الجنوب فكان أن عكس صاحبنا - الذي عمل كموظف في جهاز الدولة - هذه الرغبة وقدم شبكة من المعلومات تتخللها إشارات طبغرافية وإثنوغرافية عن الصحراء وبلاد السودان، غير أنه لم يتجاوز حدود الإشارة المقتضبة.

وفي مصنفه التاريخي تاريخ اليعقوبي (2)، تأخذ إشاراته عن الصحراء وبلاد السودان طابعاً سياسياً واجتماعياً، وندين له بهذا الصدد بأول إشارة عن إمارة ملل وهي التي ستعرف لاحقاً (القرن 13 م بإمبراطورية مالي.

ابن الصغير: لا نعرف عنه شيئاً سوى ما ورد عرضاً ضمن مؤلفه «أخبار الأئمة الرستميين» (3). استوطن تيهرت في الربع الأخير من القرن 3 هـ/ 9 م، وعاش بها فترة طويلة، مكنته من استيعاب وتدوين أخبار الدولة الرستمية منذ قيام إمامها الأول عبد الرحمن بن رستم (160 - 171 هـ) إلى غاية سنة 290 هـ / 903 م. والتاريخ الذي انتهى إليه يمثل السنة التي أنشأ فيها مؤلفه، أي قبل أقل من عشر سنوات على انهيار الإمارة الرستمية بتيهرت على يد الفاطميين.

وتنهض روايات ابن الصغير دليلاً على قدم العلاقات بين بلاد المغرب وبلاد السودان، حيث إنها تكشف لنا عن أول سفارة رسمية في تاريخ العلاقات بين المنطقتين.

ابن حوقل: ظل أبو القاسم بن حوقل البغدادي يضيف وينقح مؤلفه صورة الأرض (4) إلى حين وفاته سنة 379 هـ / 988 م. وقد اختلف الباحثون في تحديد الحوافز الحقيقية، التي كانت وراء تجواله في البلاد الإسلامية وغيرها من مناطق العالم القديم. ويرى البعض أن دور التاجر المتجول، لم يكن سوى قناعاً اتخذه جغرافينا للتستر على مهامه التجسسية في الغرب الإسلامي لحساب الفاطميين. في حين يعتقد آخرون أن اشتداد المحن وتأزم أوضاع المشرق الإسلامي، شكل السبب الأساس والحافز الحقيقي لتنقلاته وتجواله (5).

(1) اليعقوبي: كتاب البلدان النجف المطبعة الحيدرية، طبعة ثالثة، 1955. (2) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار العراق 1953.

1986

(3) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين. بيروت، دار الغرب الإسلامي [تحقيق وتعليق محمد ناصر وإبراهيم بحاز]، 1986. (4) ابن حوقل صورة الأرض بيروت، مكتبة الحياة، 1979.

(5)

محمد تضغوت صورة المغرب من خلال ابن حوقل ضمن أعمال ندوة: أدب الرحلة والتواصل الحضاري، سلسلة الندوات 5 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب بمكناس. المحمدية، المغرب، مطبعة فضالة، 1993. ص 79 وكراتشكوفسكي، ص)

221 - 210

وفي سنة 340 هـ/ 951 م، زار ابن حوقل مدينة سجلماسة، ومنها دخل الصحراء وتوغل فيها إلى أن وصل إلى مدينة أو دغشت القريبة من مجال السودان (1). وباعتبار المشاهدة والمعاينة، فقد اكتسبت أقواله ومعلوماته عن الصحراء وبلاد السودان أصالة ومصداقية بالغتي الأهمية، ولم تجد المصادر اللاحقة بداً من تأكيدها ومسايرتها. وليس أحسن من أن نعتمد وثيقة يقول صاحبها: «شاهدت وعاينت. . . . لذا فإننا مع ابن حوقل نسجل تطوراً ملموساً في الرواية العربية المتعلقة ببلاد السودان، حيث أخذت المنطقة تؤكد بداية انفلاتها من مجال الظل والهامش بالمعنى الاصطلاحي والجغرافي.

وحله

ب - المرحلة الثانية: من البكري إلى ابن خلدون (القرن 11 - 14 م): ترسم مرحلة ما بعد ابن حوقل منعطفاً حاسماً في سيرورة تطور الرواية العربية المتعلقة ببلاد السودان. ولن يحتاج الدارس إلى كبير جهد ليلاحظ احتكار مصنفات الغرب الإسلامي لجل وأهم

،

معلوماتنا عن المنطقة فيما بين القرن 11 م (البكري) والقرن 14 م) ابن خلدون. له ويال وليس ثمة شك في أن القرب الجغرافي والتفاعل البشري الطويل والإيجابي فيما بين الغرب الإسلامي وبلاد السودان يفسر إلى حد بعيد هذه الوضعية المستجدة. غير أن العوامل المنوه بها لا تفسر لنا كيف أمكن للمنطقة بلاد السودان) أن تصبح موضوعاً الذات، ومستهدفاً غير عارض في مؤلفات الغرب الإسلامي فهل نحن أمام تجاهل للقواعد المنهجية التي كان يصدر عنها - كما رأينا سابقاً - أصحاب مصادرنا المشارقة؟ أم أن الضرورة التي دعت إليها تلك القواعد أصبحت منتفية نتيجة اعتناق السودانيين للإسلام؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليعكس تطوراً في الذهنية أو الثقافة العربية الإسلامية، مما حدا بها إلى الانفتاح على أفريقيا جنوب

قائم

الصحراء، بنفس القدر الذي استأثرت به دار الإسلام والمناطق المجاورة لها شمالاً وشرقاً؟

قد يكون في انتماء بلاد السودان لدار الإسلام - وهي حقيقة تردد بعض أصحاب مصادرنا في إعلانها - وكثافة العلاقات البشرية والثقافية والاقتصادية بين بلاد المغرب وبلاد السودان خلال هذه الحقبة (القرن 11 - 14 م)، وتطور الثقافة الجغرافية العربية، جواباً جزئياً على أسئلتنا.

وإذا أخذنا مسألة تردد أصحاب مصادرنا في إعلان انتماء بلاد السودان لدار الإسلام، كنموذج توضيحي وكقضية من القضايا المستعصية في الشهادات العربية المعنية هنا يمكننا القول إن مسألة انتشار الإسلام كقضية تاريخية لم تكن مغرية بالقدر الذي يستفز التفكير الموضوعي الحوليات القرسطويين. وتصبح المسألة - لأسباب مختلفة - أكثر تعقيداً بالنسبة لبلاد السودان.

لأصحاب

(1) تقع مدينة أو دغشت على الخط التجاري الذي يربط ما بين سجلماسة وعاصمة غانة (قومبي صالح). وبالنظر لأهمية موقعها الجغرافي والتجاري، فقد اشتد الصراع حولها ما بين السودانيين وصنهاجة. انظر:

(E)

أحمد الشكري: مملكة غانة وعلاقتها بالحركة المرابطية هل حقاً قام المرابطون بغزو غانة؟، منشورات معهد الدراسات الأفريقية. الرباط مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1997، ص 17.

393

392