أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٩٨لذا، نعتقد أن كل محاولة تستهدف تتبع سيرورة انتشار الإسلام ببلاد السودان بالصيغة التي تطرحها المصادر المتوفرة، ستكون عاجزة عن استجلاء الحقيقة التاريخية التي نود الاقتراب منها (1) فقد تسجل مصادرنا المبتدأ والخبر لقضيتنا، لكنها بحكم استيلابها بالتاريخ الحدثي، تغفل ما بينهما. ويرجع سبب ذلك إلى أن انطلاقتهم في تناول القضية، استهدفت أساساً حدود الأقطار
يصبح
رسم
أو المجتمعات التي مستها ظاهرة الإسلام بغاية إبراز عظمة الرسالة المحمدية من ثمة نفهم تجاهل أصحاب مصادرنا في غالب الأحيان لكل محاولة أو نزوع إلى تتبع سيرورة انفعال تلك المجتمعات مع الإسلام؛ وفي نفس السياق نلاحظ تهافتهم على تقرير النتيجة أي نجاح الإسلام ولمواجهة هذا القصور علينا عدم الاكتفاء بما يفصح عنه ظاهر الوثائق التاريخية ولربما استكناه المسكوت عنه في النص التاريخي، أكثر فائدة من منطوقه في بعض الأحيان. فعندما يحدثنا البكري القرن (11 م - مثلاً - عن مدينة نول ويعتبرها «آخر بلد الإسلام»، ثم يطلعنا في الباب الخاص بالسودان عن حدث إسلام أهل تكرور ومدينة سلي، وغيرهما من المناطق السودانية: هل يعني ذلك أن الإسلام مر إلى السودان في قنوات باطنية لا علم للأنام بها، وهم الذين خبروا حبات رمال الصحراء بعيون تكاد تكون منطفئة (2)؟ ثم ما هو المقياس الذي جعل البكرى يخرج بلاد صنهاجة وعدداً من الإمارات السودانية المسلمة من دار الإسلام؟ وسؤال الأسئلة الذي يؤرقنا في روايات البكري متى وأين تنتهي عنده الصحراء، ومتى وأين تبدأ بلاد السودان؟!
ات المال مالة
والظاهر أن إغراق البكري في بيئة وحضارة الأندلس جعله لا يهتم كثيراً بالحالة الثقافية لهؤلاء الأمازيغ والسودان على اعتبار تدنّي وضعيتهم الحضارية أو لكونهم في الدرج الأول من تطور العمران حسب المفهوم الخلدوني.
وهذا المشكل لا يرتبط بشهادات البكري فحسب بل يتعداه لينسحب بدرجات متفاوتة على أهم الشهادات المصدرية التي نملكها بهذا الخصوص.
هكذا نجد رحالتنا ابن بطوطة الذي اكتسب تجربة إنسانية عميقة وخصبة، نتيجة احتكاكه بعادات وتقاليد الشعوب والمجتمعات التي انتظمتها رحلاته طيلة ما يناهز ثلاثة عقود، نجده عاجزاً
(1) نستحضر بهذا الصدد محاولة ج. ل. تريبو (JL.Triaud) وغيره ممن اتبعوا نفس النهج، فكان أن اعتقدوا خطأ أن إسلام صنهاجة اللثام تم إبان قيام حركة المرابطين. ونعتقد أن القضية في أساسها منهجية وليست قصوراً ـ من قبل هؤلاء الباحثين - في معلوماتهم. إذ هم كذلك اعتمدوا على روايات البكري وابن سعيد وابن أبي زرع وابن خلدون، ونصوص هؤلاء تؤكد تصريحاً أو تلويحاً، أن اعتناق صنهاجة للإسلام كان في القرن 3 هـ/9 م، وليس 5 هـ/ 11 م. انظر:
Triaud J.L.، Islam et sociétés soudanaises … ، p.21، 39 et 65.
(2) من الظواهر الغربية والطريفة في تاريخ الصحراء أن الدليل أو التكشيف أي قائد القافلة فيما بين بلاد المغرب وبلاد السودان)، غالباً ما يكون أعور العين الواحدة أو ضعيف البصر. انظر ابن بطوطة: تحفة النظار. بيروت، مؤسسة الرسالة، 1985، ج 2 ص 774.
عن التخلص من حالة الدهشة وهو يتحدث عن بعض التقاليد السودانية التي عاينها أثناء زيارته لمملكة مالي عام 1352 م. تدفعنا هذه الملاحظات للتساؤل عن الإمكانيات التي توفرت لأصحاب مصادرنا في اقتناء معلوماتهم عن بلاد السودان ..
-
،
وباستثناء ابن بطوطة فإن أحداً من أصحاب مصادرنا فيما بين القرن الخامس والثامن للهجرة (11) - 14 م)، لم يسافر إلى بلاد السودان حتى يتمكن من مراقبة معلوماته في أرض الواقع (1). ومع ذلك، فإن محاولة رصد مصادر رواياتهم تكشف لنا عن مدى الجهد الذي بذله بعضهم في اقتناء المعلومات واستقصاء الحقيقة، مثل البكري والإدريسي وابن سعيد والعمري وابن خلدون. وهذه الأسماء لم تكن تقبل بأقل من شهادة رجل فقيه أو تاجر أو موظف كبير موثوق به، ومنزه عن الزلل
واللغو، له سياحة في بلاد السودان أو سمع من السودانيين أنفسهم.
،
ومما يلفت النظر بهذا الخصوص أن أصحاب مصادرنا كانوا يعتمدون على مخبرين غير الشمال سودانيين وقلة منهم من اعتمد الشهادات السودانية في تحقيق معلوماته زد على هذا أنه حتى محاولات هذه القلة كانت محتشمة، وخجولة وربما لم يفكروا فيها قط، وإنما ساقتهم ودفعتهم إليها ا الصدفة حينما دعتهم الضرورة للكلام عن بلاد السودان. ويظهر أن ابن خلدون وحده حقق هذا الامتياز، حيث استجوب فقيه أهل غانة الشيخ عثمان واستعان به في تحقيق بعض الوقائع السودانية (2).
فلماذا تم إهمال أو تجاهل هذا المصدر الثمين الذي كان قريباً من أصحاب مصادرنا وفي
متناولهم؟
،
نقول في متناولهم لأننا نعلم أن موسم الحج كان يمثل مناسبة سانحة للالتقاء بالحجاج السودانيين، كما أن المراكز الثقافية وقتئذ مثل فاس وتلمسان والقيروان والقاهرة، كانت تستقطب عدداً لا يستهان به من الطلبة الراغبين في تكوين ديني وثقافي معتبرين بموازاة مع ذلك، هناك موظفون كبار في دولة مالي قادوا سفارات مالية إلى بعض العواصم الإسلامية، مثل القاهرة أيام المماليك وخاصة فاس أيام المرينيين. وأخيراً هناك التجار السودانيون والعبيد والإماء الذين كانوا يصلون إلى أسواق العالم الإسلامي. ل ونرى في حرص أصحاب مصادرنا على تحقيق شروط اعتماد الخبر، بالإضافة إلى حاجز
(1) فضلاً.
280
عن ابن حوقل خلال المرحلة الأولى القرن 8 - 10 م وابن بطوطة في المرحلة الثانية (القرن 11 - 14 م) سيقوم الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الأفريقي برحلة لبلاد السودان في مطلع القرن العاشر الهجري (16 م)، وهو صاحب کتاب وصف أفريقيا». وللفقيه المغيلي في نفس الفترة تقريباً رحلة للمنطقة أثمرت مجموعة من الفتاوي. انظر هامش رقم 50 و 52. (2) عن هذه القضية انظر: أحمد الشكري: مملكة غانة وعلاقتها بالحركة المرابطية، ص 95.
والسمعية لاني (2)
395
394