أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٩٩الصحراء (1) وضعف انفتاح الفئات المتنورة من المجتمع الإسلامي على بلاد السودان كمعطى جغرافي وبشري، كل هذه العوامل حالت دون إمكانية استغلال الشهادات السودانية (2).
إننا كما نلاحظ أمام واقع محكوم بمعطيات موضوعية لا علاقة لها بالاعتبارات الذاتية: مثل احتقار العرب المسلمين للسودانيين، التي يروج لها الكثير من الباحثين الأعاجم.
تل العمال
واهتمامنا ببعض المشاكل المنهجية التي تطرحها مسألة قراءة النصوص العربية المتعلقة ببلاد السودان، لا ينسف مصداقيتها بقدر ما يساعدنا على فهمها وسبر أغوارها في حدود الذهنية والظرفية اللتين تحكمتا في إنتاجها. وفضلاً عن ذلك، هل يمكن الاستعاضة عنها!؟ ومن أهم الأسماء البارزة خلال المرحلة الثانية، نذكر: البكري: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، عاش بقرطبة في عصر أمراء الطوائف، وتوفي عام 487 هـ / 1094 م. وقد أهلته مواهبه الأدبية المتنوعة للعمل كوزير لأمير المرية. وعلى الرغم من أنه لم يغادر الأندلس، فقد ترك لنا مصنفاً جغرافياً على غاية من الأهمية: «المسالك والممالك». والكتاب في عدة أجزاء، والجزء الخامس منه الذي يحمل عنوان: كتاب المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب (3)، نصادف فيه لوحة أصيلة عن الحركة المرابطية في مرحلتها الصحراوية ومملكة غانة، ومعلومات متنوعة عن بلاد السودان. وباعتبار أهمية وأصالة معلومات البكري عن بلاد السودان لم يتردد أصحاب مصادرنا اللاحقون عليه في الأخذ عنه، أو حتى انتحال جل ما كتبه عن المنطقة مثلما فعل صاحب الاستبصار (4).
،
وحسب تصريح البكري نفسه فإنه فرغ من تحرير مؤلفه عام 460 هـ/ 1068 م، لكن يظهر من خلال بعض المؤشرات أنها السنة التي وضع فيها اللمسات الأخيرة لكتابه. أما تاريخ التأليف، فيعود حسب المحقق إلى ما قبل سنة 453 هـ / 2062 م. وإذ نوافق دوسلان DE Slan مبدئياً على هذا الاستنتاج، فهذا لا يعني أننا مطمئنون إليه كل الاطمئنان (5).
الإدريسي: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي. ولد بسبتة عام 493 هـ/ 100 م، وفي سنة 533 هـ/ 1138 م استقدمه روجر الثاني ملك صقلية فأنجز في ظل رعايته نزهة (1) أحمد الشكري: مقاربة تقييمية لدور الصحراء في علاقات بلاد المغرب ببلاد السودان مجلة المناهل (عدد خاص)، عدد (2) يعترف المؤرخ والجغرافي أبو الفدا (ت. (732 هـ / (1331 م بقصور معرفة العرب ببلاد السودان. انظر: كراتشوفسكي، ص:
58، 1998. ص: 62 - 71.
863
(3) البكري: كتاب المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب باريس ميزونوف 1965 [حققه و ترجمه للفرنسية دوسلان]. (4) مجهول: كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1985 [نشر وتعليق: سعد زغلول عبد الحميد] ص 217 وما بعدها. (5) نرى أن القضية تحتاج لدراسة نقدية دقيقة، لأن انعكاسات النتيجة التي. في سنخرج بها، لها أثر واضح ومباشر على سيرورة
تطور الحركة المرابطية وطبيعة علاقتها ببلاد السودان.
المشتاق في اختراق الآفاق». ويسود الاعتقاد عند مؤرخي الجغرافيا، أن «النزهة ما هي إلا شرح وتعليق على الخرائط التي صنعها الإدريسي لولي نعمته وقد انتهى جغرافينا من عمله هذا سنة 548 هـ / 1154 م، وذلك بعد 15 سنة من البحث والمرجح أن وفاته كانت بعد عام 560 هـ / 1164 م. والأندلس ويحفل القسم الخاص بوصف المغرب وأرض السودان ومصر وهو الذي يهمنا
(1)
من «النزهة، بعلومات فريدة عن الصحراء وكيفية اجتياز القوافل لها كما يتضمن إشارات تاريخية وإثنوغرافية هامة عن بلاد السودان.
وموقع الإدريسي ضمن لائحة الأسماء التي تحدثت عن بلاد السودان مغبون ومهمش كثيراً، بسبب شك جل المختصين في رواياته وهذا التوجه المجحف لا يستند على اعتبارات موضوعية، بقدر ما يقوم على عوامل ذاتية وأخرى منهجية؛ تتمثل في الحساسية السالبة المفرطة تجاه الإسلام، وعدم قدرة هؤلاء الباحثين على قراءة روايات الإدريسي دون إسقاطات خارجية وخلفيات مسبقة (2). وبالتخلص من هذه النزاعات المشينة، يمكننا القول إن روايات الإدريسي عن منطقتنا، لا تقل قيمة أو مصداقية عن جل وأهم الشهادات المصدرية المتوفرة لدينا.
ابن سعيد أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد ولد تقريباً في غرناطة حوالي عام 610 هـ/ 1214 م، قضى معظم حياته في الأسفار والبحث وارتياد المكتبات في مختلف عواصم العالم الإسلامي.
في غضون
ويميل إسماعيل العربي إلى أن ابن سعيد وضع مؤلفه: «كتاب الجغرافيا (3) السنوات ال 15 الأخيرة من حياته، ويرجح وفاته في حدود عام 685 هـ/ 1286 م. احتفاظ ابن سعيد بشذرات من رحلة ابن فاطمة المفقودة يجعلنا أمام ثروة من المعلومات المتعلقة بالوضعية الدينية لبلاد السودان، فضلاً عن معلوماته الجغرافية. ابن أبي زرع أبو الحسن علي بن أبي زرع صاحب الأنيس بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس (4). وحسب أحمد بن القاضي فقد توفي ابن أبي زرع في واقعة طريف سنة 741 هـ / 1341 م. استعرض في مؤلفه تاريخ المغرب ومدينة فاس منذ بداية دولة الأدارسة إلى غاية سنة 726 هـ / 1326 م. وكان حديثه عن الدولة المرابطية مناسبة لإثارة نشأتها في الصحراء التي تعرفنا عليها مع البكري، إلا أنه استدرك عليه التطورات التي عرفتها الحركة المرابطية بالصحراء وبلاد السودان، بعد السنة (460 هـ/ 1068) التي توقف فيها البكري. (1) الإدريسي: المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس مأخوذ من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. ليدن (تحقيق دوزي ودي كوجي). 1968. (2) انظر معالجتنا لهذه المسألة في: مملكة غانة وعلاقتها بالحركة المرابطية. ص 30 - 35، 74 - 75، 81. (3) ابن سعيد كتاب الجغرافيا بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع. حققه إسماعيل العربي) 1970. (4) ابن أبي زرع: الأنيس المطرب بروض القرطاس - الرباط، دار المنصور للطباعة 1973.
(2)
397
396