أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠-
ويلتقي ابن أبي زرع مع ابن عذاري (1) وعبد الواحد المراكشي (2) وغيرهم من أصحاب الحوليات - في تجاهلهم للأحداث التي عرفتها بلاد السودان بعد القرن 5 هـ/ 11 م، أي بعد انطفاء شعلة المرابطين سياسياً بالصحراء.
842
وللأمر دلالة قوية في توضيح بعض خلفيات اهتمام أصحاب هذه الحوليات ببلاد السودان. ويبدو واضحاً من خلال تتبع رواياتهم أن الإطار الزماني والمكاني للحدث السياسي وخاصة الديني، يحققان حضوراً باهتاً لا نقف عليه في روايات الجغرافيين. وهذه الملاحظة تفسر لنا إلى حد بعيد جفاف روايات الفئة الأولى وخصوبة روايات الفئة الثانية.
رضا را مثله
- العمري: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى العمري ولد بدمشق سنة 700 هـ/ 1301 م، وتوفي بها عام 749 هـ / 1349 م. غير أن جل مراحل حياته قضاها بمصر، حيث شب وتعلم هنالك. ارتبط اسم أسرته برئاسة ديوان الإنشاء - بمصر والشام - للدولة المملوكية لمدة قرن من الزمان، الشيء الذي ساعده على تولي نفس الوظيفة في بلاط الملك الناصر محمد بن قلاوون (693
من
- 741 هـ / 1293/ 1340 م) بمصر. الماء ويعتبر الباب العاشر من موسوعته الضخمة: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (3) أخصب النصوص التاريخية التي نملكها عن مملكة مالي وعلى الرغم من أنه لم يسافر إلى بلاد السودان، فقد جاءت أوصافه لأحوال المملكة فريدة وغنية بالمعلومات التاريخية. وما من شك أن مؤهلاته المعرفية خاصة في المجال الجغرافي وتقنية استقصاء الأخبار، فضلاً عن طبيعة وظيفته في البلاط، التي مكنته من الوقوف على الوثائق والمراسلات الرسمية، كل هذا كان له أثر كبير في تميز رواياته سواء من حيث صدقها أو خصوبتها))
تها
وكما يخبرنا العمري في مسالك الأبصار» (9)، فإنه بدأ تأليف موسوعته منذ سنة 738 هـ / 1339 م. وحوالي هذا التاريخ كتب الباب العاشر المتعلق بمملكة مالي وفي سنة 739 هـ/ 1339 م اعتقله الملك الناصر وأودعه السجن، ثم أطلق سراحه بعد تسعة (9) أشهر وعينه في كتابة السر (1) ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. الأجزاء 1 - 4: بيروت، دار الثقافة ط 3. (تحقيق ومراجعة ج. س. كولان و. ر. لفي بروفانسال 1983 والقسم الخاص بالموحدين من البيان بيروت، دار الغرب الإسلامي. والدار البيضاء، دار الثقافة تحقيق مجموعة من الباحثين) 1985.
(2) عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب الدار البيضاء، دار الكتاب ط 7 (ضبطه وصححه: محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي) 1978.
()
(3) العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. الأبواب 8 - 14. الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة. (تحقيق وتعليق: مصطفى أبو ضيف زحمد). 1988. (4) من أهم مصادر العمري عن بلاد السودان، نذكر أبو عثمان سعيد الدكالي، وهو ممن سكن عاصمة مالي لمدة خمسة وثلاثين سنة، ثم عدد من تجار وموظفي الدولة المصرية، الذين كان لهم احتكاك مباشر بملك مالي منسا موسى أثناء توقفه بالقاهرة في طريقه إلى الحجاز برسم. أداء فريضة الحج عام 724 هـ / 1324 م. المركز الإسلامي للبحوث (دراسة وتحقيق د. كرافولسكي) 1986. (4) (5) العمري: مسالك الأبصار. الباب 6. بيروت،
وبعد ثلاث سنوات عزل من منصبه، غير أنه استمر في كتابة «المسالك» بدمشق عام 741 هـ / 1340 م. وبعد ثلاث سنوات عزل من منصب
إلى حين وفاته. ابن بطوطة: محمد
•
الله بن عبد
من
بن محمد اللواتي المعروف بابن بطوطة. ولد بطنجة سنة 703 هـ / 1303، وخرج منها وهو شاب بقصد الحج عام 725 هـ/ 1325 م، فكان ذلك سبباً في بداية سياحته في الأرض سياحة اتصلت بدون انقطاع زهاء ربع قرن من الزمان، زار خلاله عدداً من أقطار المعمور، واستحق بذلك لقب رحالة عصره ومن قال رحالة هذه الملة (الإسلامية) لم يبعد» (1). سجلماسة قاصداً مملكة رحالتنا 753 هـ / 18 فبراير 1352، خرج وفي بداية شهر محرم مالي، حيث دخل عاصمة المملكة ومكث بها مدة تناهز ثمانية أشهر، استقبله خلالها عاهلها منسا سليمان. وأثناء رحلته السودانية التي استغرقت 22 شهراً، زار عدداً من مدن وقرى المملكة. وقد احتفظ لنا ابن بطوطة في مذكراته بشهادة حية عن بلاط سلطان مالي، وحياة المجتمع السوداني. ولم ينس رحالتنا إتحاف النظار بغرائب وعجائب بلاد السودان (2).
ذلك
(3)
وبالرحلة السودانية انتهت سياحة ابن بطوطة في بقاع المعمور وحين استقراره بالمغرب انعزل بنفسه في منطقة تامسنا واشتغل هنالك بالقضاء إلى أن وافته المنية عام 779 هـ / 1377 م، أو قبل بتسع سنوات كما يذكر العسقلاني وبحكم المشاهدة والمعاينة وهذا ما لم يتوفر لجل أصحاب مصادرنا، تتمتع شهادات ابن بطوطة عن بلاد السودان بقيمة لا تضاهى. بيد أن هذه الميزة المساعدة للباحث في التاريخ، تعتورها مسألة افتقار شهاداته للحس التاريخي والجغرافي، حيث تبرز هذه القضية كأهم ثغرة ترصع المضامين الموظفة في نص الرحلة السودانية. ومقاربة هذه القضية بموازاة مع تحديد الحوافز الحقيقية لرحلته السودانية، تتيح للدارس أفاقاً أرحب لفهم وتفهم رواياته عن بلاد السودان (4)
-
-
ابن خلدون (عبد الرحمن تواضع المعنيون بالدراسات الخلدونية على أن المرحلة الأساسية من تأليف العبر (5)، ثم إبان انعزال عبد الرحمن بن خلدون في قلعة ابن سلامة بالمغرب الأوسط سنوات 776 - 780 هـ / 1375 - 1379 م. وظل مؤرخنا يضيف وينقح مؤلفه سواء أثناء عودته (1) العبارة لابن جزي مدون رحلة ابن بطوطة. (2) ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، بيروت، مؤسسة الرسالة ط 4، حققه وقدم له: علي المنتصر الكتاني في جزأين 1985
(3) الحسن الشاهدي: أدب الرحلة بالمغرب في العصر المريني الرباط، منشورات عكاظ 1990. ج: 1، ص 256 (4) قريباً سيصدر لنا مقال بعنوان رحلة ابن بطوطة إلى بلاد السودان في مجلة المناهل التي تصدرها وزارة الشؤون الثقافية بالمغرب عدد خاص عن ابن بطوطة.
(5) ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1968. 7 مجلدات.
399
398