أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢وبناء على ما تقدم، يمكننا أن نتفهم كذلك لماذا كان ابن خلدون يحاول إقناعنا بأهمية إمبراطورية مالي كوحدة سياسية في بلاد السودان وفي نفس الوقت لم يحاول تعريفنا بعاصمتها أو ببعض مدنها الهامة مثل كوكو وتنبكت وجني.
وخلاصة القول إن القدرة على تمثل مفهوم المكان كمعطى واقعي (جغرافي) لها أهمية قصوى في فهم ذلك التباين بين خصوبة معلومات الجغرافيين وفقر معلومات المصادر ذات الصبغة الأدبية.
وعلى ضوء هذه الملاحظة، يمكننا إقامة مقارنة ما بين نصوص ابن بطوطة ونصوص ليون الإفريقي عن بلاد السوادن. فكما نعلم كلاهما زار المنطقة ووقف بأم عينيه على ما دونه من أحداث ومعطيات، غير أن شهادات ومعلومات الثاني كانت أكثر خصوبة ودقة من معلومات الأول. ويكفي أن نشير إلى أن ابن بطوطة أقام في عاصمة إمبراطورية مالي لمدة تناهز ثمانية (8) أشهر، ومع ذلك لم يحاول أن يعرفنا بها أو يطرح بعض المؤشرات الدالة على موقعها. فقد كان كلامه عنها خافتاً وذاتياً، في حين كان بإمكانه أن يمدنا بأضعاف المعلومات التي أتى بها، لو كان له هم أو إلمام - مثل ليون الأفريقي - بالأدب الجغرافي ومقوماته. ذلك أن علم الجغرافيا كان يتيح لصاحبه فرصة إقامة مساحة بينه وبين الموضوع، فيأتي كلامه بعيداً عن النزعة الذاتية قريباً إلى الموضوعية (1). وهذا العامل يسمح لصاحب الشهادة بإقامة تواصل واضح ومفهوم إلى حد كبير مع موضوعه.
ومن القضايا المرتبطة بهذا التمايز بين الفئتين أن مصداقية الخبر عند الجغرافيين، لا تستند إلى نفس الاعتبارات التي يأخذ بها أصحاب المصادر ذات الصبغة الأدبية. فالأوائل يمكنهم أن يعتمدوا دون حرج على شهادة تاجر كان قد ارتاد بلاد السودان (2)، غير أن أهل الفئة الثانية لن يكتفوا بذلك، ولا شك أنهم سيحترزون كثيراً من أقوال ذلك التاجر ما لم يكن من أهل الورع والتقوى. في هذا الإطار، يمكننا أن نفهم لماذا لم يلتجئ ابن عذاري وابن أبي زرع وابن خلدون إلى تجار تلمسان وسجلماسة وفاس وغيرها من المراكز التجارية الوثيقة الصلة ببلاد السودان، بهدف تحقيق معلوماتهم
عن
المنطقة.
خلص
إن الخبر أو الرواية بالنسبة لأهل الفئة الثانية، تكتسب مصداقيتها من خلال صفات وأخلاق صاحبها وليس من خلال موضوعيتها. فلا غرابة إذن أن نجد ابن خلدون لا يعطي أهمية لأقوال ابن سعيد فيما يخص توطين التكرور، حيث ينقلها ويذكرها منسوبة لصاحبها بصراحة حتى يخلص ذمته، وفي نفس الوقت - وعن نفس الموضوع - يتبنى الرأي الخاطئ الرائج في مصر دون أن لأحد، ربما لأنه سمعه من أحد فقهاء النيل المصري والمثال الثاني يتجلى في تعلق ابن خلدون
ينسبه
(1) يقول ليون الأفريقي: ولا يخفى علي ما يصيبني من خجل عندما أعترف وأكشف عيوب الأفارقة [ … ] لكن عذري عند الجميع هو ما أضطلع به من دور المؤرخ الذي يلزمه قول الحق الواقع دون أي اعتبار ولا إرضاء رغبات أي كان انظر: وصف أفريقيا. ج 1، ص 89.
(2) تجد نصاً واضحاً عن القضية أورده ليون الأفريقي. انظر: وصف أفريقيا. ج 1، ص 33.
بأقوال فقيه أهل غانة حيث يحيلنا عليه كلما أراد أن يوثق قضية ما بصرامة. إن هذا المنهج الصارم عند أهل الفئة الثانية وهو وثيق الصلة بعلم الإسناد عند أهل الحديث
قد وفر لنا بعض المعلومات التي يمكن أن نطمئن إليها. لكنه حرمنا من الشيء الكثير عن بلاد
،
السودان. ويترتب عن هذه الملاحظة أن دراسة مسألة مدى ارتباط بلاد المغرب ببلاد السودان خلال العصر الوسيط، لا تجد تعبيرها الواضح في كتابات مثقفي المجتمع أو الفئات المتنورة منه. ويرجع ذلك ـ كما تبين لنا - إلى حاجز الصحراء، وإلى مشاكل منهجية مثل حرصهم على الأمانة في تبليغ الخبر، وإلى ضعف إلمامهم بالأدب الجغرافي ومقوماته، وغير ذلك من المشاكل التي يمكن أن يقف عليها البحث الدقيق بهذا الشأن. ب - دلالات المفاهيم المتداولة لدى أصحاب مصادرنا:
تناول هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة بالنظر إلى كثرة المفاهيم المتداولة في المصادر العربية، حيث يصعب الوقوف عندها بأكملها هنا، لذا سيقتصر عملنا على إعطاء نموذج توضيحي، يتعلق بمفهوم بلاد السودان لدى أصحاب مصادرنا، وغايتنا لفت اهتمام الدراسات التاريخية إلى مثل هذه القضايا السيميائية، وإيلاؤها الاهتمام الذي تستحقه. الدلالة التاريخية لمفهوم بلاد السودان:
يطلق جغرافيو الغرب الإسلامي بعد القرن الرابع الهجري (10 م) (1) اسم بلاد السودان على المنطقة الممتدة من بحيرة كوري (2) إلى المحيط الأطلسي، شمال خط الإستواء، وجنوب الصحراء. وهذه المنطقة تمثل المجال الموازي لبلاد المغرب تفصلهما الصحراء الكبرى.
وتداولهم للمصطلح يقوم أساساً على الاعتبارات الإثنية وخاصة الجغرافية. بيد أن جغرافيي المشرق الإسلامي قبل القرن الرابع الهجري وبعده (3)، يستعملون نفس الاصطلاح: بلاد السودان، لكن للدلالة على كل المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى النيل المصري أو البحر الأحمر. وهم يراعون في استعمالهم ذاك العامل الجغرافي وخاصة العامل الإثني. ذلك أنهم يطلقون اسم السودان على القبائل المنتشرة في ذلك المجال من ثمة تأثر الاصطلاح الجغرافي لديهم بالبعد الإثني أكثر من أي بعد آخر. والعامل المشترك في تمييز الفضاء الجغرافي لبلاد السودان سواء عند المشارقة أو المغاربة، (1) مثل البكري والإدريسي وابن سعيد. (2) المقصود بها بحيرة تشاد. وقد أشار إليها الإدريسي (النزهة، ص 40) دون تسميتها وكان ابن سعيد (كتاب الجغرافيا، ص 93) أول من أعطاها ذلك الإسم، أي بحيرة، كوري، وعنه أخذه الجغرافيون اللاحقون. (3) مثل الاصطخري والمقدسي.
403
402