أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣يتمثل في عنصر لون البشرة (1). ذلك أن المصادر العربية بما فيها السودانية (2)، تستعمل اصطلاح بلاد السودان للدلالة على المنطقة التي يقطنها السودان»، وهي بذلك تميزها عن منطقة الصحراء حيث مجال البربر البيضان» أو «البيض».
وتتداول المصادر العربية اصطلاحاً ثانياً هو بلاد التكرور» أو «أهل التكرور»، ومرة أخرى فإن الشهادات المشرقية والمغربية تختلف في بعض جوانب المدلول، حيث لا تتفق في التوطين. وكما لاحظ يوسف كيوك (3)، فإن المصادر المغربية والسودانية بعد البكري، كانت توظف تعبير بلاد التكرور كمقابل لمفهومها عن بلاد السودان (4)، بينما نجد المصنفات المشرقية بما فيها بعض نصوص ابن خلدون وأحمد بابا التنبكتي تتحدث عن التكرور كأحد طوائف السودان (جنس = أمة = أهل) (5)، وتوطنهم فيما بين نهر النيجر والنيل المصري، أي المنطقة التي تعرف في الدراسات التاريخية بـ «السودان الأوسط» (6).
،
وعلينا أن ننتبه هنا، ليس فحسب - كما أشار كيوك - إلى اختلاف المشارقة والمغاربة في توطين «التكرور»، وإنما كذلك إلى اختلافهما في صياغة الاصطلاح ذلك أن المغاربة يتداولون اصطلاح بلاد التكرور، في حين يوظف المشارقة اصطلاح أهل أو أمة التكرور». ورصد الاختلاف على المستوى الثاني له أهمية قصوى كما سنرى في فهم الاضطراب الحاصل في دلالة الاصطلاح عند أصحاب مصادرنا العربية ذات الصبغة الأدبية.
هكذا، يبدو جلياً أن الشهادات المصدرية في توظيفها لتعبير بلاد السودان» أو «بلاد/ أمة التكرور»، فإنها لا تتفق حول الموقع كما أنها لا تعين لنا حدوداً واضحة ومتفقاً عليها. ونسجل هنا أن الاضطراب الحاصل في مسألة تعيين حدود المنطقة المعنية، لا يدعو للاستغراب أو الدهشة. ذلك أن مفهوم الحدود إذاك، لم يكن متداولاً بالصيغة التي نعرفها اليوم. ويمكننا أن نقف أمام عين الظاهرة إذا ما حاولنا مثلاً حصر حدود بلاد المغرب بالأبعاد التي تطرحها المصادر العربية الوسيطية: فقد يقتصر المفهوم على إفريقية والمغربين الأوسط والأقصى، كما يمكن
142 - 141
(1) ابن خلدون مقدمة العبر (المجلد (1) ص (2) محمود كعت: تاريخ الفتاش، ص 42 عبد الرحمن السعدي: تاريخ السودان. ص 9.
(3)
Cuoq J، Recueil .. ، pp 4 - 5، p 60 note 6 et p 185 note 1.:
استعمال القالب
(4) كان البكري (ص 172) أول من ورد عنده اسم «تكرور»، وقد أطلقه على مدينة توجد على الضفة اليسرى من نيل السودان (نهر السينغال). ثم تطورت شحنة الاسم في المصادر اللاحقة، سواء منها المغربية أو السودانية، حيث أصبح الاسم يدل على كل منطقة بلاد السودان بالمفهوم المغربي انظر ابن، سعيد كتاب الجغرافيا ص 91 عبد الرحمن السعدي: تاريخ السودان، ص 4 الولاتي: فتح الشكور في معرفة أعيان التكرور. ص 26.
(5) الدمشقي: نخبة الدهر في عجائب البر والبحر. ص 297. (6) القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 5: 286، 8: 7 والقلقشندي مثل الدمشقي كلاهما ينقل ويأخذ عمن سبقهما، وإذ نحيل عليهما، فلأنهما يختزلان تصورات المشارقة، التي توطن أهل التكرور شرق مدينة كوكو (كاغ) الموجودة على نهر النيجر. ات ()
،
(1)
a
أن يشمل في حالات أخرى - فضلاً عما تقدم من الأقطار - الأندلس أو طرابلس، أو كلاهما معاً. بل إن مفهوم ابن سعيد لبلاد المغرب، يشمل الأندلس وكل شمال أفريقيا باستثناء مصر وحتى لا نجتر ذلك الاضطراب الحاصل في المصادر حول موقع وحدود بلاد السودان أو بلاد التكرور، فإن توظيفنا لهما ينسحب على المجال الممتد فيما بين المحيط الأطلسي غرباً وبحيرة تشاد شرقاً، شمال نطاق الغابات الاستوائية وجنوب الصحراء. كما رأينا، فإن نصوص الجغرافيين تدلنا على معرفة واقعية بمعطيات بلاد السودان، فماذا عن استعمالات نفس المفهوم في الشهادات ذات الصبغة الأدبية؟ باستعراض شهادات هذه الفئة نلاحظ أن استهلاك جلهم لمفهوم بلاد السودان يكاد لا يتجاوز الدلالة اللغوية: فعبد الواحد المراكشي لا ينبس بأية كلمة عن بلاد السودان، وكأني به يأخذ بالقول المأثور: «سلم تسلم والسلام وابن عذاري اصطدم مع السودان» في كلامه عن بعض الهدايا الصادرة منهم إلى بعض حكام بلاد المغرب كما اصطدم معهم في حديثه عن بداية الحركة المرابطية. غير أن عجزه عن التعريف بهم وعدم قدرته على تحديد موقعهم، جعله شديد التهيب والحرص في استعمال مصطلح «السودان» (2)
•
أما ابن أبي زرع، فإنه وظف تعبيري السودان و بلاد «السودان بجرأة تحملنا على الاعتقاد بأنه يعرف كل شيء عن دلالة المفهومين (3). بيد أن المتتبع لمادته الإخبارية، يتأكد ـ بعد تحليلها ـ أن توظيفه للاصطلاحين يكاد يكون فارغاً من أي محتوى تاريخي أو جغرافي. أكيد أنه كان يعرف أو بالأحرى يسمع بوجود الذهب في بلاد السودان ونكاد نجزم بأن هذه المعلومة، كانت الوحيدة من بين معلوماته الصحيحة، التي أطرت ذهنه حين توظيفه لذينك الاصطلاحين فلا غرابة إذن، أن يسود الغموض والضبابية في كلامه عن جبل الذهب (4) الواقع في بلاد السودان، بحيث لا نتبين في تعبيره ما يحيلنا على أنه عارف بمقاصد كلامه. ونفس الشيء يمكننا ملاحظته أثناء تناول روايات أصحاب المعاجم والتراجم، فالحميري، كان عاجزاً عن التمييز بين سلا المغربية وسلي السودانية (5). وفي نفس السياق، نجد كلاً من المالكي والتادلي، وهما من أصحاب التراجم يوظفان مصطلح بلاد السودان»، بيد أن معرفتهما بدلالة
(1) هذا ما يؤكده إسماعيل العربي في مقدمة تحقيقه لمؤلف ابن سعيد: كتاب الجغرافيا، ص 18، هامش 1. (2) راجع ما قلناه في هامش رقم 1. (3) عبد الواحد المراكشي: المعجب في تخليص أخبار المغرب الدار البيضاء، دار الكتاب، ص.7. 1978 والإشارة الوحيدة عنده، وردت في إطار كلامه عن معادن الأندلس، جاء فيها: «فأما الذهب فمسوق إليها من بلاد السودان ص 511 (4) روض القرطاس. ص 136. انظر وقارن من محاولة كل من الإدريسي وابن سعيد في التعريف بجبل الذهب. نزهة المشتاق. ص 16 كتاب الجغرافيا. ص 28 - 29
(5) الحميري: الروض المعطار في أخبار الأقطار بيروت مكتبة لبنان (تحقيق إحسان عباس)، 1975. انظر تقديم المحقق خاصة الصفحة التي تحمل حرف ص. ومادة سلا: ص 319.
405
404