أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

رحلة ابن بطوطة السودانية حسب نفس الجوانب التي وقفنا عندها في تتبع مواد «الاستبصار» و الروض المعطار» ويتم ذلك على الشكل الآتي:

طرق التجارة وأخبار التجار، والبضائع المتبادلة بين الشمال والجنوب كانت رحلة ابن بطوطة في رفقة قافلة تجارية، انطلقت من سجلماسة، وقد قدم لنا ابن بطوطة معلومات دقيقة عن الطريق التي سلكتها قافلته وعن عوائدهم وطرائقهم في عبور الصحراء، فحدثنا عن «التكشيف» وعن غير ذلك مما يساعد قوافل التجار في طريقهم وحدد بدقة كذلك المواقع الهامة في الطريق، فذكر الموقع الذي تلتقي فيه القوافل الآتية من مصر والآتية من المغرب الأقصى، وذكر بعض البضائع الرائجة في الأمصار السودانية، وهو لا يقدم جديداً في الموضوع فيما يخص تلك البضائع، وهي الملح، وبعض الحلي، والأثواب … الخ.

،

أما المراكز الحضارية التي وقف فيها وأقام بها مدة ووصف أهلها وعاداتهم وأنظمتهم فهي نفس المراكز المذكورة في غيره، إلا أنه ينفرد بتقديم أخبار دقيقة ومفصلة، وتلك المراكز هي: مملكة مالي وغانا وتنبوكتو السكان وعاداتهم وأنظمتهم ومعيشتهم وقف ابن بطوطة طويلاً عند وصف عادات الناس وطرائق معيشتهم وأنظمة حكمهم، وللرجل كما هو معروف خبرة في هذا المجال لمعاشرته الملوك في المشرق والمغرب وخلاصة ما يخرج به الباحث مما ورد في الرحلة في هذا الباب، أن القوم كانوا يعيشون في كنف نظام محكم له أسس وقواعد، وكان ذلك النظام يكفل لهم العدالة التامة والأمن

الشامل.

کال

وتتميز رحلة ابن بطوطة بتقديم جانب هام أغفلته المصادر السابقة، وهو الجانب العلمي، وما تقدم رحلة في هذا الموضوع، وفي مقدمته ما يستفاد حرص الشعوب السودانية المسلمة على تحفيظ أبنائها القرآن الكريم، حتى إنهم كانوا يقيدون أبناءهم فلا يفك القيد إلا بعد حفظ القرآن الكريم، ثم هناك المكانة التي كانت للخطيب عندهم فمن دخل بيته أمِنَ من متابعة الحاكم، ثم بعد ذلك عنايتهم بالكتب الإسلامية، وأما مكانة أهل العلم والأدب بينهم فنكتفي هنا الإشارة إلى ما لقيه أبو إسحاق إبراهيم الطويجن من عناية، وقد ساق ابن بطوطة ذكر خبره وخبر قبره وبعض ما لقيه من حظوة، هذا والرحلة السودانية لابن بطوطة حافلة بأسماء أعلام المغرب الذين رحلوا إلى السودان فكان منهم الخطيب والقاضي والمدرس والتاجر … وعامة الأسماء الواردة عنده لا ذكر لها في أي مصدر، وقد تتبعنا في بحث لنا بعنوان المغرب في رحلة ابن بطوطة أعلام المغرب المذكورين في رحلة ابن بطوطة، والذين كانوا يقيمون في السودان للتجارة أو التعليم أو للقيام بمهام الخطابة والقضاء، فوجدناهم كثيرين، ويؤكد هذا عمق الصلات التي كانت لشعوب شمال الصحراء وجنوبها .. وبالقيام بفحص دقيق ومقارن للمعلومات التي تقدمها لنا المصادر المعتمدة الاستبصار … والروض المعطار. . . وتحفة النظار … تتأكد جملة من الحقائق نسردها فيما يلي: العلم علا تؤكد غزارة المعلومات التي كانت متداولة بين المغاربة عن الشعوب الواقعة جنوب الصحراء

إطلاع واسع على واقع تلك الشعوب، ومعرفتهم الدقيقة بجوانب حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك لا يتأتى إلا بالعناية بما كان يجري هناك وراء الحزام الصحراوي، والحق أننا لو قارنا ما كان يعرفه المغاربة في عهد الموحدين والمرينيين عن أوروبا وشعوبها، بما كانوا يعرفونه عن الشعوب الأفريقية لوجدنا فرقاً كبيراً، وذلك أن المغاربة ما كانوا يعرفون شيئاً عن النصارى في أوروبا، ولا يتردد في آثارهم على هذين العصرين فيما نعلم شيء ذو بال فيما يخص تلك الشعوب، فالشعوب الأوروبية بحر متلاطم من الكفار لم يكن يعني المغاربة في شيء، حتى وإن كانوا في حرب مستمرة معهم في أرض الأندلس، أما الشعوب الأفريقية فكان لهم بها، كما رأينا اتصال وثيق واطلاع عميق اتش دل

الجلال

في احتمال

وتؤكد تلك المعلومات التي تسردها كتب المسالك والممالك المغربية عن الشعوب الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء، أن اتصال الشعوب الإسلامية المحيطة بالصحراء ببعضها، ابتدأ بعد فتح الإسلام لأفريقيا، وقع بفضل ذلك الفتح، فكان الإسلام هو الذي وصل بين الشمال والجنوب، وقد عمل الإسلام بواسطة فريضة الحج على استمرار ذلك التواصل. وتؤكد المصادر أن ذلك التواصل ازداد قوة في عهد المرابطين، وذلك بفضل جهود مؤسسي هذه الدولة المغربية، والحق أن القبائل التي قامت على أعتاقها دولة المرابطين، ونعني لمتونة، ومسوفة وكدالة كانت مهيأة بحكم موقعها الجغرافي للقيام بمهمة الربط بين الشمال والجنوب. و معروف تاريخيا أن مسوفة على الخصوص كان لها الفضل في ذلك، وبالرجوع إلى رحلة، ابن بطوطة يتأكد من رغب في ذلك - ويتأكد أيضاً - أن مناحي التواصل بين الشمال والجنوب، شمال الصحراء وجنوبها، كانت متعددة، حاولنا حصرها في المناحي الآتية: التجارة طرقها وموادها

التواصل العلمي والثقافي رحلات العلماء والأدباء من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال.

التواصل السلالي وما نتج عنه من امتزاج الأعراق، فكان من آثار ما نراه اليوم في بلدان الات المغرب العربي. وتؤكد - كذلك - تلك المعلومات المتوفرة لدينا عن الشعوب الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء، أن تلك الشعوب، ونعني على الخصوص الشعوب التي دخلت الإسلام، وأخذت به في حياتها، أنها كانت على مستوى رفيع من التنظيم السياسي والاجتماعي، كانت كذلك، على قدر كبير من الرخاء الاقتصادي، وأنها أي تلك الشعوب كانت أيضاً تعيش وفق نمط من الحياة يتميز بالانسجام، ولا شك أن تلك الشعوب نعمت بما هيأه لها الإسلام من تماسك، وتجانس، وانضباط وعدل، بكافة مستوياته، إلى أن جاء الاستعمار الأوروبي، فزعزع تلك القيم التي كانت تلك الشعوب

تقيم عليها حياتها.

413

412