أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩2 - إن ابن خلدون انتقد كثيراً من المفاهيم السابقة وفند آراء كثيرة ورفض أخباراً ووقائع كانت مدونة قبله معدودة من الأحداث التاريخية الموثقة.
3
- كتب تاريخاً مفصلاً اعتمد فيه منهجية علمية، واختار أسلوب التوثيق والتجريح والنقد، فحدد الأماكن وتناول الأحداث والوقائع في العصور المختلفة وعند الشعوب والأمم المتباعدة. وقد تناول في صفحات كثيرة من تاريخه جوانب من تاريخ وجغرافية أفريقيا جنوب الصحراء، فظلت آراءه أساس الأبحاث والدراسات التي جاءت فيما بعد والتي اهتمت بهذا الجزء من المعمور لما تميزت به من دقة علمية وما تفردت به من معلومات وأخبار وقد كان تاريخ هذه البلدان يستسقى من قبل ابن خلدون من مصدرين اثنين:
1 - الرواية الشفوية والأخبار المحفوظة بصدور الرجال الذين يزورون السودان للتجارة أو للعمل والاستقرار، أو الذين يحفظون تراث وقصص الأجداد فيروونها للأبناء والزوار، ولم يكن هذا المصدر محكوماً بشروط ولا خاضعاً لأسلوب التجريح والنقد الذي يلتزمه المؤرخون ويؤكد عليه ابن خلدون في مقدمته وعمل وفقه في تاريخه فشابه الكثير من الخلل ودخلته الآراء
الله
البعيدة عن الدقة والصدق.
ما ورد في كتب المؤرخين وكتابات الرحالة المسلمين الذين اهتموا بالسودان وتحدثوا عن تاريخه وأخباره في مؤلفاتهم، نذكر منهم: علي بن حسن المسعودي المتوفى سنة 957 الذي أشار في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر إلى هذه البقعة وحدد جوانبها مشيراً في اختصار إلى بعض أوصافها ومميزات ساكنيها (1).
إشارات
أبو القاسم بن حوقل المتوفى سنة 977 الذي أورد في كتاب: المسالك والممالك إلى بعض المعلومات المتعلقة بالمحيط والموقع والموحية بنبذ من التاريخ والمميزات. أبو عبيد الله البكري المتوفى سنة 1094 في كتاب: المغرب في بلاد أفريقيا والمغرب والذي اعتمد كثيراً على ما تناقله الرواة فأثبت قصصاً وحكايات رفضها ابن خلدون وفندها كما سنقف على ذلك فيما بعد. محمد بن عبد العزيز الإدريسي المتوفى سنة 1167 في كتاب نزهة المشتاق في اختراق
الآفاق.
قال ياقوت الحموي المتوفى سنة 1228 الذي أورد في معجم البلدان إشارات إلى جوانب من تاريخ وجغرافية هذه البلدان.
(1)
ابن سعيد الغرناطي المتوفى عام 1274 الذي حدد بعض المناطق وأشار إلى أنواع من العلاقات التي كانت تجمع هذه الأقطار في: كتاب جغرافية في الأقاليم السبعة).
مروج الذهب: تحقيق عبد الأمير علي مهنا: طبعة مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: 1991، الجزء الأول، صفحة: 172.
ومن خلال ما ورد بين ثنايا هذه الكتب ننتهي إلى أن أخبار السودان بدأت تصل إلى العرب وتأخذ حيزاً من اهتماماتهم ابتداء من أواسط القرن السابع الميلادي أي بمجرد دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا، وهو الاهتمام الذي خلقته رحلات الحج والتجارة والفتوحات الإسلامية، فتعرفوا بذلك على كثير من المناطق البعيدة وحددوا مواقعها على الخرائط (1).
?
أما قبل هذه الفترة فقد كانت المعلومات قليلة والأخبار المتوفرة شحيحة لا توفي بالغرض ولا تغني الباحث، فالفنيقيون كانوا يعتبرون البقعة الواقعة خلف الصحراء مناطق مجهولة وأماكن مرعبة يصعب الوصول إليها، أما اليونان والرومان فبالرغم من حديث بعض مؤرخيهم عن الأفارقة الساكنين وراء الصحراء الكبرى فإن ما أثر عنهم لا يعدو ملاحظات تهم حياة وسلوك بعض المواطنين الذين انتقلوا إلى شمال أفريقيا ومنها إلى أوروبا (2). وحين نقف على ما كتبه ابن خلدون عن هذه المنطقة نجده يتسم بالدقة والعلمية ويبتعد عن كثير من الأخطاء والمبالغات التي وقع فيها جل من تحدث قبله عن هذا الجانب، فلقد عاش ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي في وقت تميز بظهور اهتمام كبير بما يجري جنوب الصحراء بصفة عامة وفي السودان بصفة خاصة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من العالم الإسلامي، ومركزاً مهماً من المراكز التجارية العالمية، فاستعان ببعض تلك الأخبار المتناقلة المتداولة، واستفاد مما جاء في كتب المؤرخين كالبكري والمسعودي وابن فضل الله العمري في كتابه (مسالك الأبصار وممالك الأمصار) (3) الذي اطلع عليه حين انتقل إلى مصر سنة 1328، ثم استكمل معلوماته عن السودان من خلال ما كان يستقيه من الحجاج السودانيين والرحالة المسلمين من معلومات وأخبار فأثار (مسائل وقضايا لم يحدث أن أخضعت قبله لفحص منظم. لأنه لم يكن يصدق كل المعلومات التي كانت تصله عن السودان الغربي بل كان يغربل تلك المعلومات ويحاول الوصول إلى الحقيقة خطوة خطوة، مستعملاً في ذلك النقد والتحليل والمقارنة. ولهذا يعتبره المؤرخون الأفارقة مؤرخاً أفريقياً معاصراً، إليه يرجع الفضل في معرفة كثير من الحقائق عن السودان الغربي وبصفة خاصة عن مملكة مالي وعلاقاتها مع الأقطار الإسلامية شمال الصحراء) (4). ويمكن أن نصنف ما كتبه العلامة عبد الرحمن بن خلدون عن السودان في جوانب ثلاثة:
(1) في الخريطة التي وضعها بطليموس في منتصف القرن الثاني الميلادي كانت حدود السودان الجنوبية تقف عند جزر كناريا، ثم أضاف العالم العربي محمد بن موسى الخوارزمي (المتوفى سنة: 844 هجرية، إلى هذه الخريطة مملكة: (غانا) وبين حدودها ومعالم جغرافيتها.
Baba Irahima Kake: Glossaire Critique des expressions Geographiques concernant le pays des noirs d'apres les sources (2) de langue arabe du milieu du VIII a la fin du: XIII siecle. (Paris presence Africaine) 1965 P 10.
(3) أفرد ابن فضل الله العمري الباب العاشر من كتابه للحديث عن مملكة مالي فتناول جوانب كثيرة منها، انظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، دار الكتب المصرية - القاهرة 1924 صفحة 4 وما بعدها.
C
(4) السودان الغربي عند ابن بطوطة وابن خلدون الدكتور عثمان بناني، مجلة دعوة الحق السنة: 15 عدد صفحة: 196 -
197
417
416