أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢١٠1 - جانب انتقد فيه بعض الآراء والأفكار التي كانت سائدة عن هذه المنطقة، بل ومدونة في كتب التاريخ معدودة منه من ذلك مثلاً ما أثبته في مقدمته من تجريح ونقد لما ورد في كتاب عبيد الله البكري المغرب في بلاد أفريقية والمغرب من أن سبب تفشي العلل والأمراض ببعض بلاد أفريقية راجع إلى أنه وقع فيها خفر ظهر فيه إناء من نحاس مختوم بالرصاص فلما فض ختامه صعد منه دخان إلى الجو وانقطع وكان مبدأ أمراض الحميات فيه وأورد بذلك أن الإناء كان مشتملاً على بعض أعمال الطلسمات لوبائه وأنه ذهب سره بذهابه فرجع إليها العفن والوباء، وهذه الحكاية من مذاهب العامة ومباحثهم الركيكية والبكري لم يكن من نباهة العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبين خرفه) (1). وتحرج ابن خلدون هذا وغربلته للأخبار وعرضها على ميزان النقد والتحليل هو جزء من منهجه العلمي في التأريخ الذي نظر له وألزم نفسه به في كل ما كتب ودون نقف عليه في جل ما أثر عنه من تاريخ الأمم وأخبار الشعوب والأمصار (2). ومن النصوص الدالة أيضاً على رفض العلامة ابن خلدون وتجريحه لما عرف قبله وما وجده متداولاً بين الرواة ورجال الأخبار، ما يقوله عن مذهب النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه أثرها في لونه وفيما جعل الله من الرزق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية من خرافات القصاص، ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة وليس فيه ذكر السواد، وإنا دعا عليه بأن يكون ولده عبيداً لولد إخوته لا غير وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه) (3).
مطالب
1
2
الولية
نالے کو ناکات
الجانب الثاني يرسم فيه معالم المنطقة ويقف على حدودها مفصلاً القول في ذلك في مواطن كثيرة من تاريخه، فقد جاء في كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر: (هؤلاء الأمم السودان هم من أهل الإقليم الثاني، وما وراءه إلى آخر الأول بل وإلى آخر المعمورة متصلون ما بين المغرب والمشرق، يجاورون بلاد البربر بالمغرب وأفريقية وبلاد اليمن والحجاز في الوسط، والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق) (4)، معنى هذا أن منطقة السودان كان يعني بها رقعة واسعة الأرجاء تمتد جنوب الصحراء من المحيط الأطلسي في الغرب إلى نهر النيل في الشرق وتعم أرض الحبشة وعد نهر النيل ونهر النيجر نهراً واحداً وسماه بنهر النيل أو نيل السودان كما نجد ذلك في قوله في المقدمة: وفي هذا الإقليم مصب النيل الآتي من مبدإه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمى نيل السودان ويذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند جزيرة
(1) مقدمة ابن خلدون: الطبعة الأولى 1978 دار القلم - بيروت - لبنان: صفحة: 347 - 348 (2) انظر ما كتبه عن هذا في الصفحة 27 و 35 - 36 المقدمة. من (3) السابق: صفحة: 83 - 84.
(4) تاريخ ابن خلدون المسمى كتاب العبر وديون المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر دار الكتاب اللبناني 1959 المجلد السادس: صفحة: 409.
أولئك وعلى هذا النيل مدينة تكرور وغانة وكلها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السودان، وإلى بلادهم تسافر تجار المغرب الأقصى) (1). وأثناء تعريف ابن خلدون بهذه الأمم وتحديده لأماكن إقامتها أورد معلومات جغرافية في غاية الأهمية، فقد تحدث عن الجزر الخالدات واعتبرها ضمن منطقة السودان وهذه الإشارة التي أثارها تهم الباحثين في الأنتربولوجيا، كما تهم الدارسين المهتمين بمحاولات الأوروبيون للكشف والتغلغل في جنوب المحيط الأطلسي والوصول إلى الشواطيء الغربية للقارة الأفريقية من أجل اكتشاف هذا العالم الذي كان جله مجهولاً لديهم، وتذكر المصادر أن بعض البحارة الإيطاليين كانوا قد وصلوا إلى جزر الكانريا سنة 1339، وبدأ الأوروبيون منذ هذا التاريخ يزورون هذه الجزر من أجل الاكتشاف واكتساب الخبرة الناتجة عن الإبحار في المحيط الأطلسي الذي كان يعرف عندهم الظلمات، وقد كانت هذه الرحلات بداية حركة الاكتشافات التي أوصلت ببحر البرتغاليين والإسبان إلى شواطئ السودان الغربي ثم أمريكا فالشرق الأقصى في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
آنذاك
سالة بينا النبا
3 - الجانب الثالث يستحضر فيه بعض أخبار هذه الأمم وتاريخهم ويعرض صوراً موحية بنوع العلاقات التي كانت تجمعهم ببعض ملوك المغرب، ففي مطلع حديثه يعرف بأمم السودان وشعوبهم وقبائلهم عبر التاريخ ويشير إلى بعض الأخبار المتدولة عنهم في العصور السحيقة عليا ثم ينتقل إلى عصر الفتوحات ويقف على بعض الممالك وينقل أحاديث التجار والرحالة عنها كقوله مثلاً (ولما فتحت أفريقية دخل التجار بلاد المغرب فلم يجدوا فيهم أعظم من ملوك غانية، كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك، وحاضرة ملكهم غانية مدينتان على حافتي النيل من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمراً، ذكرها مؤلف كتاب «رجار» وصاحب المسالك والممالك. وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف صوصو» بصادين مضمومين أو سينين مهملتين، ثم بعدها أمة أخرى تعرف مالي ثم بعدها أمة أخرى تعرف كوكو» ويقال «كاغوا». . .) (2). . ثم يستعرض جملة من أخبارهم ومن الوقائع والأحداث التاريخية التي كان لها أثر على الحضارة والعمران في هذه المنطقة، وكيف ضعف أمر غانا وتلاشت قوتهم أمام الأمم المجاورة لهم، ثم كيف تقوت مملكة مالي واستطاعت التغلب على أهل صوصو وغيرهم من الشعوب الذين استطالوا على ما جاورهم من الأمم. وهنا يعرض ابن خلدون التاريخ المتسلسل للملوك الذين حكموا
صالح
C
ن هذه المنطقة مركزاً على سمات وأعمال كل واحد منهم والمميزات التي طبعت مرحلة حكمه، فقد جاء في وصفه لمرحلة حكم «ساكورة): (كانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الأمم المجاورة لهم، وافتتح بلاد كوكو وأصارها في مملكة أهل مالي.
(1) المقدمة: صفحة: 54. (2) كتاب العبر المجلد السادس صفحة: 413.
EEE
(0)
رضا (1)
لتصل ارتالا (2)
419
418