أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

وأكثرهم يضيفون المارة ويطعمون الطعام، ولكن قوماً منهم يتخلقون بخلق ذميم من بذل أنفسهم الأضيافهم في سبيل الإكرام ولا يحتشمون في ذلك). غير أن ابن حوقل يشيد بأهل سجلماسة، ويخصهم بمزايا انفردوا بها عن سواهم من أهل المغرب لكثرة تجوالهم ونزوحهم عن أوطانهم (*). أما الجغرافي الأندلسي عبد الله، البكري، فقد ركز في حديثه عن مدينتي أو ذغست وتادمكة (*) على ذكر محاسن نساء الحواضر. في حين أننا نجد ابن بطوطة ينسب لنساء أهل مدينة إيوالاتن الجمال الفائق ويعتبر من أعظم شأناً من الرجال (أما أهل السودان الغربي فقد وصفهم كل من ابن حوقل وابن بطوطة ببعض الصفات أبرزها تذللهم لملوكهم ولهم في ذلك طقوس غريبة (*) ونَعتهم الأول بانتشار الفضيلة في ديارهم إلى جانب ما يتسم به بعضهم من تهور ونزق وطيش (*) في حين ركز الثاني على انعدام الغيرة والحجاب بين رجالهم ونسائهم وشيوع الاختلاط والتصاحب بين الأجانب والأجنبيات دون أن ينكر أحد منهم ذلك، مع محافظتهم على الشعائر الدينية واجتنابهم للظلم وانتشار الأمن في بلادهم ()، واعتبر من شنيع أفعالهم ظهور الخدم والجواري والبنات الصغار للناس عرايا وأكلهم الجيف والكلاب والحمير (*). طرق المعيشة:

خالف تقي

تباره قبل تختلف طرق معيشة كل من الأمازيغ الصحراويين والسودان باختلاف طبيعة الأراضي التي يعيشون فيها والظروف التي يخضعون لها. فبينما نجد أهل الحواضر من الأمازيغ يعتمدون على بعض أنواع الزراعة البورية أو المسقية نجد المتعزبين منهم لا يعرفون الطعام ولا رأوا الحنطة ولا الشعير ولا شيئاً من الحبوب … وقوام حياتهم باللبن واللحم ((غير أن القريبين من سجلماسة «يأكلون البر ويعرفون الشعير ويزرعونه والتمور والطيبات. . .) (*) أما القمح في أوذغست فطعام الملوك وأهل اليسار وغيرهم يقتاتون بالذرة (*) ولعل علة ذلك أن القمح فيها يزرع بالفؤوس ويسقى بالدلاء وطعام أهل الصحراء عامة صفيف اللحم الجاف مطحوناً يُصب عليه الشحم المذاب أو السمن وشرابهم اللبن قد غنوا به عن الماء) (*) أما أهل تادمكة فيقتاتون - فضلاً عن اللحم واللبن - ((من حب تنبته الأرض من غير اعتمال وتجلب إليهم الحبوب من بلاد السودان (*) وأهل توات يشترون الغنم من كاهر ويقددون لحمها ويحملونه إلى بلدهم. أما بودا وهي من أكبر قرى توات فلا زرع بها ولا سمن ولا زيت … ومن ثم فأكل أهلها التمر والجراد يخرجون إلى صيده قبل طلوع الشمس لأنه لا يطير إذ ذاك بسبب البرد).

أما مدينة إيوالاتن فيقدمون لضيوفهم جريش أنسلي مخلوطاً بيسير عسل أو لبن يضعونه في نصف قرعة تشبه الحفنة) وبين إيوالاتن ومالي غابة فيها أشجار تثمر شبه الفقوص، فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق فيطبخونه ويأكلونه ويباع بالأسواق) وفيها حبات كالفول تستخرج من الأرض تقلى وتؤكل وطعمها كطعم الحمص المقلو، وقد تطحن ويصنع منها شبه الإسفنج يُقلى بالغرتي وهو ثمر كالإجاص شديد الحلاوة، ويُدق عظمه ويستخرج منه زيت متعدد المنافع «فمنها

،

أنهم يطبخون به ويسرجون السرج ويقلون به هذا الإسفنج ويدهنون به ويخلطونه بتراب عندهم يسطحون به الدور كما تسطح بالجير» (*).

وفي السودان من الأطعمة بالإضافة إلى أنسلي دقيق النبق والأرز والفوني وهو كحب الخردل يُصنع منه الكسكسو والعصيدة ودقيق اللوبياء. . . . () وفي مالي عصيدة تصنع من شيء شبه القلقاس وهي عندهم مفضلة على سائر الطعام () ويبدو أن سكان مالي يقدمون لضيوفهم الخبز ولحم البقر المقلي بالغرتي واللبن الرائب () أما مدينة كوكو فتشتهر بكثرة الأرز واللبن والدجاج والسمك وبها الفقوص العناني الذي لا نظير له). وفي أحد البلدان بين تنبكتو وكوكو يصنعون مشروباً يسمى الدقنو وهو ماء فيه جريش الذرة مخلوطاً بيسير عسل أو لبن، وهم يشربونه عوض الماء لأنهم إن شربوا الماء خالصاً أضرَّ بهم، وإن لم يجدوا الذرة خلطوه بالعسل أو اللبن» (*). بل امن ان يحل بلال اشتعال

الديانات:

يبدو أن إسلام الصحراويين منهم كانت تشوبه شوائب من العادات الوثنية القديمة. ولعل ذلك يرجع إلى أن هؤلاء قد قبلوا الإسلام ديناً وارتضوه عقيدة وعبادات، لكنهم لم يكونوا يعرفون عنه ما يكفي على مستوى الشرائع والأحكام. ولعل عائق اللغة كان يقوم في أول الأمر حاجزاً دون ذلك. وما يقال عنهم بهذا الشأن يقال كذلك عن السودان وإلا فكيف نفهم قول البكري عن أهل تادمكة بأنهم مسلمون من جهة، وقوله عنهم في السياق نفسه من حديثه عن أهل المدينة: والزنا عندهم مباح ونساؤهم «الفائقات الجمال يبادرن التجار أيتهن تحمله إلى منزلها (*)؟ في الوقت الذي يخبرنا البكري أن حكم الزاني - في مدينة قلنبو السودانية المشركة - أن يُسلخ من جلده؟ وكيف نستطيع أن نوفق بين قول المقدسي عن أهل سجلماسة أنهم أهل سنة وقوم جهاد» (*) وبين قول معاصره البكري عنهم إنهم يسمنون الكلاب ويأكلونها. . .»؟ وكيف يمكن أن نفهم جمع بعض السودان بين ممارسة شعائر الإسلام من صلاة وصيام، وغيرهما وبين مشاهدتهم النساء عاريات واختلاطهم واختلائهم بالأجنبيات؟

ولجنة

إن هذه التساؤلات تدفعنا إلى التفكير في طبيعة إسلام هؤلاء وعوامل قصوره في بعض الجوانب. بيد أن ما يلفت الانتباه حقاً في السودان الغربي هو التعايش العقيدي والتسامح الديني الذي كان سائداً بينهم. فمدينتا التكرور وسلي كانتا مسلمتين وكذلك مالي وبلاد، برنو ومدينة غانة كانت عبارة عن مدينتين: إحداهما مسلمة والأخرى - وهي عاصمة المُلك - وثنية وتراجمة الملك من المسلمين وكذلك صاحب بيت ماله وأكثر وزرائه) (*) وفي مدينة الملك مسجد يصلي فيه من يفد عليه من المسلمين على مقربة من مجلس حكم الملك). وفي بلد زافقو - كما يخبرنا بذلك البكري - صنف من السودان يعبدون حية كالثعبان العظيم) (*). إننا حقاً أمام تعايش ديني رائع لا نجد له مثيلاً حتى في أرقى الدول اللائيكية المعاصرة.

429

428