أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢١٦الأزياء والتقاليد والعادات والأعراف:
كان أمازيغ الصحراء عموماً يتشحون بالكساء ويلتزمون النقاب زاعمين أن الفم سوأة تستحق الستر … ) (*)، حتى صار ذلك الزم لهم من جلودهم وهم يسمون من خالف من جميع الناس (أفواه الذبان) بلغتهم) ولعل هذا كان يشمل أهل الحواضر، فأهل تادمكة يتنقبون أيضاً، لكنهم يلبسون الثياب المصبغة بالحمرة من القطن والنولي وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصاً أصفر وسراويل زرقاء. أما مدينة إيوالاتن فثياب أهلها حسان مصرية).
وإذا اتجهنا إلى غانة من بلاد السودان، وجدنا أنه لا يلبس المخيط من أهل دين الملك غيره وغيرُ ولي عهده وهو ابن أخته ويلبس سائر الناس ملاحف القطن والحرير والديباج على قدر أحوالهم وهم أجمع يحلقون لحاهم، ونساؤهم يحلقن رؤوسهن، وملكهم يتحلى بحلي النساء في العنق والذراعين، ويجعل على رأسه الطراطير المذهبة عليها عمائم القطن الرفيعة» (*). لينا وأهل بلد سامه من أعمال غانة يعرفون بالبكم وهم يمشون عراة إلا أن المرأة تستر فرجها تظفرها وهن يوفرن شعر العانة ويحلقن شعر الرأس» (*). وولاية العهد في غانة تكون في ابن أخت الملك لأنه لا يشك في أنه ابن أخته، وهو يشك في ابنه، ولا يقطع على صحة اتصاله به). التوريث، فيختلف - على ما يبدو - من منطقة لأخرى ببلاد السودان حسب تقاليدهم فالبكم يورثون الابن الأكبر مال الأب كله)، وفي مالي لا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه»، وأهلها كما ذكر ابن بطوطة مستغرباً مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن»
بسيور
(*)
أما نظام
C
أما أبهة الملك وعظمة السلطان، فيبدو أن ملك غانة وسلطان مالي كانا يستأثران منها بالنصيب الأوفر فالبكري يصف مجلس الأول وصفاً يشي بتقاليد عريقة متوارثة () وابن بطوطة يصف مجلس الثاني في قبته ومراسم احتفال رعيته به يوم العيد وصفاً يكشف عن حفاوة بالغة).
ولعل بعض أعراف سكان الصحراء الكبرى والسودان الغربي تبدو غريبة بالنسبة إلينا، ولكنها مع ذلك لا تخلو من دلالة فمن سير أهل الصحراء في المتهم بسرقة أن يعمدوا إلى عود فيشق باثنين ويشد على صدغيه في مقدم رأسه ومؤخره، فلا يتمالك أن يقرّ ولا يصبر على ذلك الضغط لحظة لشدته» (*). وببلاد غانة ما أسماه البكري حكم الماء وذلك أنه من ادعي عليه بمال أو دم أو غير ذلك، عمد أمينهم إلى عود فيه حرافة ومرارة ورقة، وصب عليه من الماء قدراً ما وسقاه المدعى عليه. فإن رماه من جوفه عُلم أنه بري وهني بذلك، وإن لم يرمه وبقي في جوفه صحت الدعوى
عليه)).
وفي مدينتي ترنقه وقلنبو من بلاد السودان يُخَيَّر صاحب السرقة في بيع السارق أو قتله، وحكمهم في الزاني أن يُسلخ من جلده).
أما أهل زافقو فأمرهم في تولية ملوكهم عجيب. ذلك أنه إذا هلك وال من ولاتهم جمعوا كل
من يصلح للمملكة وقربوهم إلى معبودتهم وهي حية كالثعبان العظيم وتكلموا بكلام يعلمونه فتدنو الحية منهم فلا تزال تشمهم رجلاً رجلاً حتى تنكز أحدهم بأنفها. فإذا نكزته ولت إلى المغارة فيتبعها ذلك المنكوز … ليجذب من ذنبها أو عرفها بأشد ما يقدر عليه شعرات (1)، فتكون مدة ملكه بعدد تلك الشعرات، لكل شعرة سنة). وفي غانة إذا مات ملكهم عقدوا له قبة عظيمة من خشب الساج ووضعوها في موضع قبره، ثم أتوا به على سرير قليل الفرش والوطا فأدخلوه في تلك القبة ووضعوا معه حليته وسلاحه وآنيته. . . وأدخلوا فيها الأطعمة والأشربة وأدخلوا معه رجالاً ممن كان يخدم طعامه وشرابه، وأغلقوا عليه باب القبة، وجعلوا فوق القبة الحصر والأمتعة ثم اجتمع الناس فردموا فوقها بالتراب» (*).
الحواضر والمراكز التجارية: …
،
شقال الله
يبدو أن الحواضر كانت مراكز للزراعة والتجارة تُغرس فيها البساتين والكروم، وتزدهي فيها الأسواق، وكانت مُناخ القوافل التجارية التي تعبر المفاوز. لهذا كانت منبثة في الواحات حيث تتوفر أسباب الحياة من ماء وعشب ونخيل وتتهيأ ظروف الاستقرار.
،
وكانت المدن الصحراوية والسودانية تختلف من حيث ما يتوفر في كل واحدة منها من خصائص ومميزات. ولعل مدينة سجلماسة كانت تحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية وسط بقية المدن الصحراوية العتيقة فقد أشاد بها ابن حوقل وأيده في ذلك غيره من الرحالة والجغرافيين الذين أسهبوا في الحديث عنها وإبراز مزاياها العمرانية والفلاحية وطاقاتها البشرية. فهي مدينة حسنة الموضع جليلة الأهل فاخرة العمل على نهر يزيد في الصيف كزيادة النيل» (*)، وأهلها مياسير و لنسائهم يد صناع في غزل الصوف، فهن يعملن منه كل حسن عجيب بديع من الأزر تفوق القصب الذي بمصر. . .» (). … .
ومدينة أَوْذَغَسْت لا تكاد تقل أهمية عن سجلماسة إذ فيها مبان حسنة ومنازل رفيعة. . . . . وبها أغراس متنوعة وجنان حناء ذات غلة كبيرة ..... ومدينة تادمكة المسلمة سميت بهذا الاسم لأنها أشبه بلاد الدنيا بمكة … وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو (*). ومدينة أيوالاتن دون هذه المدن المذكورة أهمية فهي شديدة الحر والنخل بها قليل، وأكثر سكانها مسوقة أهل اللثام، شأنها في ذلك شأن مدينة تنبكتو السودانية (*).
"
أما حواضر السودان الغربي فأهمها مدينة غانة التي هي معدن الذهب. وهي مبنية بالحجارة
(1) لا تخفى روح الخرافة في أمثال هذه الأساطير التي تتشابه في بعض كتب التاريخ العالمي والرحلات التي تتنافس في تدوين الغرائب، والتاريخ الإسلامي أقل في ذلك من غيره.
431
430