أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢١٨(1).
يمكن القول أن
ومحاور الطرق وجغرافية المبادلات ولا معالجة أساليب التعامل بين الطرفين) العلاقات التجارية كانت تعطي الروح لباقي العلاقات الأخرى من كل نوع فالعنصر الحاسم الذي أثر في التطور الاجتماعي والحضاري بالسودان يتمثل في العامل التجاري فإليه ينسب كثير من المؤرخين ما عرفته أقاليم السودان من ازدهار حضاري وتطور سياسي واقتصادي، وذلك لما أتاحته القوافل من فرص الاطلاع على العادات والمعطيات الحضارية في حوض البحر المتوسط (2). نريد في هذا المقال التطرق لأهمية العنصر البشري في التفاعل الحضاري بين ضفتي الصحراء وذلك عن طريق تسليط الأضواء على الجالية المغربية بالسودان الغربي خلال القرن الرابع عشر الميلادي. وسندنا الرئيسي في هذه المحاولة هو القسم السوداني من رحلة ابن بطوطة «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) (3).
ومن الملائم أن نشير إلى أن ابن بطوطة عاصر ثلاث قوى سياسية رئيسية في القارة الأفريقية هي دولة المرينيين بالمغرب ودولة المماليك بمصر ودولة مالي بالسودان الغربي.
ومن نافلة القول كذلك أن معلومات ابن بطوطة تعتبر ذات أهمية قصوى لمعرفة المجتمع السوداني فهي تصور لنا مكوناته الاقتصادية والثقافية والمذهبية والعقدية تصويراً دقيقاً، كما تخبرنا بطريقة غير مباشرة عن أفراد الجالية المغاربية وتنظيمها وعلاقاتها بباقي مكونات المجتمع السوداني؛ فضلاً عن دورها في الربط الحضاري بين شمال وجنوب الصحراء.
ومن الطبيعي أن يكون التواجد المغربي ببلاد السودان الغربي كثيفاً نظراً للعلاقات التجارية والروحية التي ربطت المنطقتين منذ فترة طويلة (4). فقد انبثت الجالية المغربية ببلاد السودان إلى جانب الجالية الأخرى وخاصة المصرية منها، ولعبت أدواراً كبيرة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والروحي للسودان الغربي كما سنرى.
ويمكن القول أن العناصر الفاعلة في التجارة الصحراوية كانوا إما سكان الحواضر المغربية والسودانية، أو عناصر رحل غالباً ما انتهى بهم الأمر إلى الاستقرار في المدن ويظهر أنه إلى حدود القرن 12 م كانت المبادرة بيد التجار المسلمين الذين كانوا يتاجرون مع بلاد السودان. ولم يبدأ السودانيون يترددون على مدن الجنوب الغربي للمغرب إلا عند نهاية القرن 12 م
(5)
عند وصول التجار المغاربة إلى المراكز الحضرية السودانية كانوا يقومون بكراء المنازل لسكناهم
(1) انظر عن هذه الجوانب، 125 - 1999.99 ، Godinho V.M.، L'éonomie de l'Empire portugais au XVT Siècle، Paris . (2) محمد الغربي، بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، بغداد، 1982، ص 659. (3) اعتمدنا على طبعة دار صادر بيروت،1963 لعدم توفرنا على الطبعة الجديدة من الرحلة بتحقيق الدكتور عبد الهادي التازي منشورات أكاديمية المملكة المغربية.
ولتخزين سلعهم طيلة فترة مقامهم هناك؛ وهي إقامة كانت تطول شهور (1). ولكن في غالبية الحالات كانوا يقيمون مع زبائنهم أو لدى وكلاء الشركات التي ينتمون إليها. والجدير بالذكر أن الفنادق المخصصة للجاليات الأجنبية لم تكن معروفة بالسودان الغربي، على عكس بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط حيث انتشرت الفنادق المخصصة للتجار الأجانب في أغلب المدن التجارية بل إن التجار المغاربة كانوا يسكنون أحياء خاصة بهم حيث يتوفرون على منازل وحوانيت ومساجد خاصة. فابن بطوطة وصل إلى محلة البيضان بمدينة مالي حيث اكترى له محمد بن الفقيه «داراً إزاء داره (2). . وفي مدينة كوكو أضافه الفقيه محمد الفيلالي إمام مسجد البيضان» (3). إن إقامة المغاربة في أحياء خاصة بهم لا تعني انعزالهم أو ترفعهم عن المجتمع السوداني. فقد سجل ابن بطوطة حسن التعايش بين أهل السودان ومن يخالطهم من البيض ومعظمهم من المغرب وباقي الشمال الأفريقي. ويمكننا التأكيد أن الجاليات المغربية في مدن السودان كانت مهمة من حيث النوع لا من حيث الكم، وتمثلت في أسر تجارية أو عمليّة سكنت في مدن السودان مؤقتاً أو بصفة دائمة. فقد كانت الجالية المغربية تشمل إلى جانب التجار، فقهاء وقضاة ومدرسين ومقرئين وطلبة وخطباء، وحتى رجال الأدب والشعراء والمهندسين ولا نعلم تاريخ إقامة أفراد الجالية المغربية الذين يذكرهم ابن بطوطة، إلا أن بعض المؤشرات تؤكد أن عدداً منهم لم يكن طارئاً على البلاد، وإنما يمثل الجيل الثاني أو الثالث مثل مدرك بن فقوص الذي على يَدِ جدّه أسلم جد امبراطور مالي حسب ابن بطوطة (4). ومن خلال أسماء بعض المغاربة الذين تذكرهم المصادر، نلاحظ أن التجارة الصحراوية كانت تستقطب التجار من جميع أنحاء بلاد المغرب وخاصة من المدن الكبرى. يذكر البكري أبا بكر أحمد بن خلوف الفاسي الذي استقر بغانة ونعلم أن أخوي المقري عبد الواحد وعلي كانا يمثلان شركتهما العائلية بولاتة (5). ويقول العمري أن أبا عثمان سعيد الدكالي «سكن مدينة امبراطورية مالي] خمسة وثلاثين سنة (6). أما ابن بطوطة فبالإضافة إلى كلامه عن «المغاربة» أو عن «البيضان» وعن «التجار» بصيغة الجمع، فإنه يذكر أسماء عدد من المثقفين والتجار المغاربة المقيمين في مختلف مدن السودان نوردهم في هذه اللائحة:
•
مانسا
بيتي
موسي
عاصمة
(1) يقول ابن بطوطة في معرض حديثه عن توجهه إي ايولاتن أنه كان قد كتب إي ابن بداء وهو رجل من سلا ليكتري له داراً. وكانت إقامته هناك نحو خمسين يوماً رحلة ابن بطوطة دار صادر، بيروت،1964، (ص 977). وكذلك فيما يخص إقامته بعاصمة مالي. فقد كتب لكبير جماعة البيضان أن يكتري له داراً (ص 681).
(2) ابن بطوطة، 681. (3) نفسه، 695 - 696. (4) نفسه، 689.
(5) المقري نفح الطيب … تحقيق إحسان عباس، 1988، 5/ 205.
(6) ابن فضل الله العمري مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تحقيق د. مصطفى أبو ضيف الدار البيضاء، 1983، ص 60.
435
86
(4) نفسه، ص 77 - 91.
(5) انظر: محمد الشريف نصوص جديدة ودراسات في تاريخ الغرب الإسلامي، تطوان، 1996.
ص
434