أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

وعموماً ظل السودانيون يكنون الاحترام والتقدير للجالية المغربية بينما نجدهم شديدي التحفظ

من المصريين بعد أن فقدوا ثقتهم فيهم يروي العمري استناداً على شهادة «خلق من تجار مصر والقاهرة» أنه بعد أن كان التجار المصريون يحققون أرباحاً طائلة من تجارتهم مع السودانيين في القرن الرابع عشر، مستغلين في ذلك ثقة السودانيين فيهم ساءت ظنونهم [السودان] بأهل مصر غاية الإساءة لما ظهر لهم من غشهم لهم في كل قول وفي تراجحهم المفرط عليهم في أثمان ما يباع عليهم من الأطعمة والسلع حتى أنهم لو رأوا اليوم أكبر أئمة العلم والدين وقال لهم إنه مصري، امتهنوه وأساؤوا به الظن لما رأوا من سوء معاملتهم لهم) (1).

،

وعلى كل حال فإن المخاطر التي كانت تطال التجار المغاربة بالسودان الغربي لم تكن بالكثافة أو الخطورة التي تمنعهم من التجارة بينما كانت الامتيازات التي يحصلون عليها قد ساعدت على تنمية رؤوس أموالهم. ولدينا سيل من النصوص التاريخية والجغرافية وحتى المناقبية المعبرة عن درجة غنى التجار المتعاملين مع السودان الغربي، نعرض عنها ونكتفي في هذا المقال بإيراد شهادتين حول ذلك. ذكر المقري عن شركة أجداده أنهم استثمروا أموالهم في التجارة الصحراوية حتى خرجت أموالهم عن الحد وكادت تفوت الحصر والعده (2). وورد على لسان الجنوي أنطونيو مالفانطي Malfante Antonio أن مضيفه سنة 1447 بـ (تامنتيت في ناحية توات كان تاجراً مغربياً غنياً عاش في بلاد السودان لمدة 14 سنة. وصرح له هذا الأخير أنه جمع ثروة تصل إلى مائة ألف دينار (3) أي حوالي

425 كلغ من الذهب.

التجار

كان بنيا

وعلى الرغم من الامتيازات التي كان يتمتع بها المغاربة فإنهم كانوا يمنعون من التوغل في المناطق الغابوية المنتجة للذهب، بهدف الاحتفاظ على احتكار ذلك المنبع التبري. ويذكر ابن بطوطة أن بلدة يوفي التي تعد من أكبر بلاد السودان، وسلطانها من أعظم سلاطينهم» «لا يدخلها الأبيض من الناس لأنهم يقتلونه قبل الوصول إليها (4) وقراءة المصادر الجغرافية العربية من القرن 10 إلى القرن 15 توضح أن الجغرافيين استقوا معلوماتهم عن طريق روايات شفوية متعلقة بتلك المناطق المنتجة للتبر إن القانون الذي عرفته أوروبا الفيودالية وبموجبه كانت تركة الأجنبي الهالك تؤول إلى سيده لم يكن معروفاً ببلاد السودان الغربي. إن ممتلكات الأجنبي المتوفى هناك كانت تبقى أمانة بيد مواطنيه

(5)

(1) العمري، ص 73. (2) المقري، نفح الطيب، 206/ 5

La roncière (Ch. de)، Découverte d'un relation de voyage datée du touat et décrivant en 1447 le bassin du Niger، in (3) Bulletin de la sect. de Géo. (Com. Des trav. hist. et scient.)، 1918، XXXIII، 1918، P.11.

أفعال

إلى أن تؤول إلى ورثته الشرعيين. ذلك ما يقرره ابن بطوطة في معرض حديثه عما استحسنه من السودان وما استقبحه منها: فمن أفعالهم الحسنة. . عدم تعرضهم لمال من في يموت في بلادهم من البيضان، ولو كان القناطر المقنطرة، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه» (1).

شيخ المغاربة بالسودان الغربي:

قامة

وبما أنه لم يكن هناك موظفون رسميون للدولة المغربية يمكنهم أن يقوموا بدور القنصل الأوروبي في بلاد الإسلام، فإن المغاربة تعودوا على اختيار أحدهم ليمثلهم أمام السلطات السودانية فعلى غرار الجالية المغربية ببلاد الشام التي كان لها شيخها من المؤكد أن الجالية المغربية ببلاد السودان كانت منظمة كذلك بدليل وجود شيخ المغاربة بها (2). ولا نعرف شيئاً يذكر عن طبيعة هذه الرتبة أو المهمة. فنحن لا ندري إن كانت تختاره السلطات المغربية أم السلطات السودانية أم كان يتم انتخابه من طرف أفراد الجالية المغربية ببلاد السودان. وسواء كان يُعين أو يُنتخب، فإننا لا ندري إن كانت مهمته مؤقتة أم دائمة. كما أننا لا نعرف معايير اختيار شيخ المغاربة هناك. أكانت معايير مادية مرتبطة بدرجة غناه وثروته أم معايير عائلية أو قبلية؟ (3) وهل كان اختياره يتم على أساس مؤهلاته الدينية والعلمية والأخلاقية أم على أساس معطيات سياسية (4)؟ إن النصوص لا تفصح عن طبيعة هذه المعايير. ولا يمكننا التسليم أن المغاربة بالسودان الغربي كانوا يختارون «أكبرهم سناً» ليمثلهم كما يعتقد البعض. ثم إن المغاربة لم يكن يمثلهم شيخ واحد ببلاد السودان. فمعطيات رحلة ابن بطوطة توحي أن شيوخ المغاربة وجدوا حيث وجدت جالية مغربية أي في معظم المدن السودانية التجارية المهمة مثل مدينة مالي حيث كان محمد ابن الفقيه الجزولي أحد كبيري» جماعة البيضان إلى جانب شمس الدين ابن النقويش المصري، وفي مدينة تكادا حيث كان «شيخ المغاربة هو سعيد بن علي الجزولي

(5)

(7)

(6)

أما عن مهام شيخ المغاربة فمن الراجح أنه كان يشرف على حماية مصالح الجالية المغربية

(8)

عند السلطات المحلية ويستقبل المغاربة الجدد القادمين إلى السودان ويوفر سبل إقامتهم ويتولى

(1) ابن بطوطة، 690. (2) الرحلة، 653، 696.

(3) يحتمل أن يكون كل من شيخ المغاربة بتكادا سعيد بن علي الجزولي وكبيرهم بمالي محمد ابن الفقيه الجزولي من قبيلة واحدة هي جزولة إن لم يكونا من عائلة واحدة ابن بطوطة (681 (696). (4) كان ابن الفقيه الجزولي متزوجاً ببنت عم السلطان) (الرحلة (681) است ايتا التي ورسمنا عليها ولا.112. El Alaoui A.،op. cit.، P

(5)

قار (5)

(4) ابن بطوطة، 680. (5) ديفيس جان، مشكلة ملكية المناجم في أفريقية الغربية من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر، تعريب عبد الرحيم بن حادة، مجلة كلية الآداب بفاس عدد 5 1989، ص 11374. El Alaoui A.، op. cit.، P .

440

(6) ابن بطوطة، 681.

،

(7) ابن بطوطة، 696. (8) قبل وصوله إلى مالي كتب ابن بطوطة إلى كبير جماعة البيضان ليكتري له داراً ولما وصل إلى العاصمة قصد شيخ المغاربة (الرحلة ص (681).

441