أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢تقديمهم للسلطان السوداني في حفلات الاستقبال (1). ومن المفترض أنه كان ينظم الاتصالات لمناقشة مسائل التجارة وتحضير المشاريع المشتركة والحصول على أخبار البلاد. ومن المرجح أنه في غالب الأحيان كان هو المسؤول عن تركة المغربي المتوفى هناك.
دور الجالية المغربية في التواصل الحضاري بين ضفتي الصحراء
C
مختلف
يظهر من خلال نماذج أفراد الجالية المغربية بالسودان الغربي التي أوضحناها أعلاه، أن المغاربة علماء وتجار وفقهاء ومتصوفة ومدرسين وقضاة وأئمة ومجاهدين. . . كانوا ينسجون بصمت إلى جانب أفراد الجاليات العربية الإسلامية الأخرى، خطوط التواصل بين ضفتي الصحراء. وتبرز أهمية الأدوار التي اضطلعوا بها أكثر في أطراف السودان الغربي حيث لم يكن الإسلام قد تركز بعد فنشر الإسلام بهذه المناطق لم يكن عبارة عن ظاهرة دينية وثقافية محضة وإنما حركة اجتماعية تقتضي هجرة الأفراد الأدباء وأصحاب المواهب والمتصوفة والتجار. ومن المؤكد الآن - من خلال رحلة ابن بطوطة على الأقل - أن المغاربة كانت لهم مساهمة هامة في الشؤون العامة للسودان وفي تطور العلوم الدينية في مجتمعاته.
وعلى الرغم من أهمية هذه الصلات فإن بعض الباحثين لم يترددوا في وصف العلاقات بين المنطقتين بـ «اللاتكافيء على المستوى الاقتصادي، على اعتبار أن التيارات التجارية استهدفت استغلال الموارد الطبيعية الأفريقية، وأن الشمال مثل مركزاً للقوة والتفوق في كل جوانب الاتصال والتأثير (2). وإذا ما سلمنا بهذا اللاتكافيء - النسبي على كل حال، في المبادلات وطبيعتها (3) فإنه يصعب مجاراة بعض الخلاصات التي تعتبر أن ما ورثته المناطق الاقتصادية الأفريقية من التيارات التجارية الشمالية هي الهيمنة الفكرية الاقتصادية والاجتماعية (4). أو نعت ما أحدثته المؤثرات الحضارية المغربية بمجتمع السودان بالاستعمار الفكري (5). إن الملاحظات الآتية تسعى إلى التخفيف من غلواء مثل هذه الأحكام عن طريق إبراز مدى مساهمة الجالية المغربية في التواصل الحضاري بين المغرب والسودان الغربي ودورها في تطويره اجتماعياً وحضارياً.
(1) الرحلة، ص 682 - 683. (2) هاشم العلوي القاسمي، أصول الروابط التاريخية.
م. س. ص 142.
()
(3) بما أن التجار المغاربة كانوا يستغلون ببراعة تقدم بلادهم التقني على حساب السودان وقانون العرض والطلب، وتوفرهم على سلع كانت حيوية بالنسبة للسودانيين فإنه يعتقد أن المبادلات كانت تتم على حساب السودان الغربي الذي كان عليه أداء أثمان جد مرتفعة مقابل استمرار التجار في الإقبال عليه، إذ كانت أرباح هؤلاء لا تقل عن 400 كما أن «الخسارة» لم تكن كمية فقط، إذ أن السلع المتبادلة تُفصح عن تباين حضاري كبير. فمقابل الحصول على فرس واحد كان على السودانيين إعطاء عدد من العبيد لا يقل عن 8، ومقابل حصولهم على مترين من الثوب الخشن كان عليهم إعطاء صبي، ومترين من الثوب البندقي الرفيع مقابل 5 عبيد وذلك حسب ما أورده الوزان.
(4) مصطفى ناعمي، الصحراء. . . ص 63.
(5) أحمد الغربي، بداية الحكم المغربي … م. س. ص 570.
(8)
العراة
أ ـ على المستوى البشري: إن تأثير التجار العرب في السودان الغربي لم يقتصر على التقنيات التجارية وأشكال الحياة المادية فقط، وإنما لامس كثيراً من المظاهر الحضارية والمعتقدات الجماعية للمجتمع السوداني. مع تكثيف العلاقات بين المنطقتين اجتاز العلماء والمثقفون المسلمون الصحراء للإقامة في المدن السودانية وفي بعض الأحيان ليستقروا نهائياً هناك. كما توافد الأدباء السودانيون على بلاد المغرب للدراسة. فالقوافل التجارية قادت على مر الأحقاب الدعاة المسلمين إلى دروب أفريقيا وسهلت بالقدر الذي لا ينكر الإشعاع الحضاري بتلك الجهات ان الاتية ومنذ عودة المانسا موسى من الحج سنة 1325، صاحبه من المشرق حاشية كبيرة من الأجانب، ا تجلبهم ثروات بلاد السودان. ويذكر العمري أن المانسا سليمان قد استقدم بدوره الفقهاء والأدباء العرب المسلمين إلى امبراطورية مالي ليطوروا بها الإسلام وثقافته فقد جلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه وبقي بها سلطان المسلمين وتفقه في الدين» (1). ويشير ابن بطوطة - كما رأينا - إلى جماعة البيضان بالعاصمة المالية ويتحدث عن الأدباء والفقهاء والقضاء بمختلف الجهات من السودان الغربي. وهناك شهادة متأخرة من القرن 17 م تشير كذلك إلى أن المانسا موسى قد استقدم من مكة إلى مالي سنة 1325 أربعة شرفاء قرشيين ليتبرك أهل الناحية برؤيتهم وببركة أثر قدمهم في بلدهم (2) وتبعوه بأهلهم راحلين إلى بلده» (3). ويشير عبد الرحمان السعدي بدوره إلى حضور عدد كبير من المثقفين البيض الذين استقروا بتمبوكتو، ثم بعد ذلك في دييني إن الحضور العام للجاليات المغربية والإسلامية بالسودان الغربي وزواج أفرادها من السودانيات كان مناسبة لخلق اختلاط دائم في الدماء، ترجم في أهمية السكان المختلطين. ونعثر على عدة أمثلة لأفراد من عائلات تجارية مغربية - إسلامية مثل عائلة المقري المستقرة بولاتة. فقد اتخذ أفرادها الأقطار والحوائط والديار وتزوجوا النساء واستولدوا الإماء» (5). ومثل عائلة المهندس والشاعر إبراهيم الأنصاري الساحلي الغرناطي الذي زار قبره ابن بطوطة في تمبوكتو (6). فقد استقدمه امبراطور مالي لبلاده. ورجع الساحلي بعد ذلك إلى المغرب، ثم عاد واستقر بتنبوكتو نهائياً وبها «اتخذ إماء للتسري من الزنجيات ورزق من الجوالك أولاداً كالخنافسة» (7)، مثله مثل جلّ أفراد جالية شمال أفريقيا في مدن مالي (8). والواقع أن الأبناء الذين ولدوا من هذا الزواج المختلط ساهموا في تركيز
(1) العمري 59 - 60.
(2) تاريخ الفتاش، 34.
(3) تاريخ الفتاش، 37.
(4)
مطالب
(3)
(4) تاريخ السودان، 28 - 36.
(5) المقري، نفح الطيب، 5/ 205.
(6) ابن بطوطة، ص 294.
(8) ابن بطوطة،697، ابن الخطيب الإحاطة 349/ 1 المقري، نفخ، 205 لتر ليفه ديليتارا (5)
(7) الإحاطة، 341/ 1.
؛
يكون (1)
(e)
443
442