أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤والجدير بالذكر أن بعضهم تقلد وظائف سياسية (1) بل وصلوا إلى قمة المسؤولية داخل المجتمع المغربي. فكثير من الجواري السودانيات وجدن داخل البلاط المغربي بعضهن أنجبن أمراء وملوكاً حكموا البلاد (2). وبذلك يمكن القول أن هذا الرق وإن لم يترك آثاراً عميقة في البنية السكانية المغربية، فإن العبيد سيمثلون قوة لها وزنها في الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية بعد القرن الرابع عشر وخاصة ابتداء من القرن السادس عشر
ب ـ على المستوى الديني والثقافي:
الا نعتقد أن الصلات الثقافية بين السودان والمغرب التي ابتدأت بشكل عام منذ دخول الإسلام إلى أفريقيا، لم تأخذ في التأثير على المجتمع الأفريقي إلا بفضل الحركة الإصلاحية للمرابطين ودعاتهم الذين عملوا على إيصال الحضارة المغربية - الأندلسية إلى مجاهل القارة الأفريقية (3). والواقع أنه لا يمكن إنكار الدور الفعلي الكبير للإسلام، باعتباره قوة دينية فكراً وحضارة في عملية دفع الترابط نقلة المغربي السوداني وعلى خلق وحدة متكاملة نتج عنها حدوث نوعية في تاريخ هذه العلاقات. ويلخص الدكتور يوسف فضل جيداً أثر الإسلام في تطور المجتمعات الأفريقية قائلاً: «ومن الشمال الأفريقي توغلت المؤثرات الإسلامية العربية عبر الصحراء إلى بلاد السودان حيث نشأت السلطنات السودانية الإسلامية التي جمعت في نظمها السياسية بين أنماط محلية ونظم إسلامية. وفيها تفاعلت الثقافة العربية الإسلامية، مع المؤثرات الأفريقية ونتيجة لهذه الجهود اتسعت رقعة الإسلام حتى شملت معظم الجزء الشمالي من القارة (4).
إن اعتناق التجار السودانيين الإسلام عن طريق احتكاكهم بالتجار المسلمين هو حدث أساسي فيما يخص تسرب الدين الإسلامي إلى السودان الغربي. وقد ساهمت الجاليات المغربية والإسلامية الكثيرة الموجودة ببلاد السودان في نشره بفضل قوتها التجارية وإشعاعها وتمثيلها للحضارة الإسلامية. أما عوامل انتشار الإسلام بالسودان الغربي فهي متعددة (5)، ولا بد من إيلاء أهمية خاصة للعقلية المتفتحة للأرستوقراطية السياسية والتجارية في المدن أي الفئات العليا من المجتمع
DAT
(1) مثل السعود بن حرباش الهاشمي الذي عين والياً على مدينة فاس سنة 1249 (انظر ابن أبي زرع، روض القرطاس، 294). (2) مثل علي السعيد الموحدي انظر البيان القسم الموحدي بيروت 1985، ص 359؛ القرطاس، 256، وأبي الربيع وأبي الحسن وأبي فارس المتوكل على الله أبي زيان المرينيين. انظر؛ ابن الأحمر، روضة النسرين، الرباط، 1991، ص 33 -
48 - 37 - 35
(3) انظر، د. عصمت عبد اللطيف دندش، دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب أفريقيا (430 - 515/ 1038 - 1121)، بيروت، 1988 محمد الغربي بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، م. س.، 568.
،
(4) يوسف فضل الجذور التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية، ضمن كتاب العرب، وأفريقية مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1984، ص 29؛ أورده هاشم العلوي أصول الروابط التاريخية بين بلاد المغرب وغرب أفريقيا في العصور الوسطى»، مجلة كلية الآداب بفاس، 5، 1989، ص 22
طا،
(5) انظر بعضها عند دندش عبد الحميد دور المرابطين. . م. س.
154 - 143
السوداني، التي فهمت بسرعة أن من مصلحتها التحالف مع أرستوقراطية التجار والفقهاء المسلمين. فقد جاء اعتناقها للإسلام تأكيداً لرغبتها في تشكيل جبهة إسلامية قادرة على توطيد التيارات التجارية بالشمال الأفريقي (1).
وعلى كل حال، نسلم بالدور الكبير الذي لعبه الإسلام في تأطير الممالك والامبراطوريات الأفريقية في القرن 11 اعتنق أهم سلاطين السودان الغربي (غانة غاو مالي، التكرور، سيلا). ابتداء من القرن 14 أصبح الإسلام متجذراً نسبياً داخل الدائرة المالكة لمالي التي يُعتقد أنها وضعت أسس حضارة أفريقية مسلمة بفضل امتدادها الجغرافي الكبير الذي غطى معظم بلاد السودان
الغربي
(2)
غدت إلى
(6)
(3)
وقد نشطت قوافل الحج السودانية إلى الأراضي المقدسة حتى قبل القرن الرابع عشر والمظهر الأكثر شهرة هو حج المانسا موسى سنة 1324 م. فقد خرج من بلده بمائة وسق حمل من الذهب، أنفقها في حجته على القبائل بطريقه [ … ] حتى احتاج إلى القرض (4). ولقد بهرته الديار المقدسة الإسلامية حتى أنه عزم على ترك الملك لابنه ويعود إلى مكة المعظمة ويقيم بها مجاوراً (5). وقد ترك لنا ابن بطوطة شهادة حية عن مدى تغلغل الإسلام في امبراطورية مالي. من جانبه يبرز العمري تدين المانسا موسى وإسهامه في نشر الإسلام ببلاده فعند حديثه عن المانسا سليمان يقول أن أخاه [المانسا موسى بنى المساجد والجوامع والمواذن وأقام به [بلده] الجمع والجماعات والآذان، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين (7). ويذكر محمود كتي أن المانسا كان سلطاناً صالحاً تقياً عابداً [ … ] وبنى في حجه مسجد جامع تنبكت ودكر وخندم ودبري وونك وكنك» (3). ويؤكد السعدي
(1) مصطفي ناعمي، الصحراء … م. س.
60
موسي
Triaud (J.L.)، Quelques remarques sur l'islamisation du Mali، des origines à 1300:، Bifan، B، XXX، 1968، PP.38 1342 - (2)
1344.
(3) ابن خلدون، العبر 5 ص 433 وحج جماعة منهم [ملوك السودان] وأول من حج منهم برمندار، وسمعت في ضبطه برمندانة» (في القرن الحادي عشر الميلادي .. القلقشندي 193/ 5 أما المانسي والي حج في عهد الظاهر بيربس (الذي 1260 و 1277). ومن بين الحجاج الذين يذكرهم ابن بطوطة قاضي العاصمة المالية، السوداني المسمى حكم عبد الرحمان، والموفد الشخصي للمنسي سليمان إلى سلطان المغرب، والحاج موسى الونجراتي، وعامل إحدى مناطق مالي الواقعة بين مالي وميما وهو الفاربا، ماغة وفاربا سليمان عامل إحدى المناطق بين تمبوكتو وغاو؛ ابن بطوطة، 685،
694
ما بين
(4) العمري 70؛ ابن خلدون (5) العمري، 69.
(6) انظر أحمد الشكري الإسلام والمجتمع السوداني، دبلوم الدراسات العليا في التاريخ كلية الآداب ـ الرباط، 1991.
(مرقونة).
(7) العمري 59 - 60.
الطعم
(8) تاريخ الفتاش، 32.
447
446