أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥ومع
•
من
ألفاظ
معلومات العمري ومحمود كتي عندما يقول أن امبراطور مالي بعد جوازه إلى الحج وبطريقها رجع فابتنى مسجداً ومحراباً خارج مدينة كاغ صلى فيها الجمعة وهي هنالك إلى الآن). ولولة ذلك ينبغي التساؤل عن مدى تغلغل الديانة الإسلامية ونقائها داخل الفئات الدنيا من المجتمع السوداني، وعن مدى خضوع الارستوقراطية السودانية لأحكام الشريعة. يشير ابن بطوطة وغيره من الجغرافيين العرب إلى تنافر القيم العقائدية الإحيائية والمبادئ الإسلامية بمدن السودان الغربي بل وحتى داخل البلاط إذ على الرغم من تدين المانسا موسى فإنه كان يجهل بعض تعاليم الشريعة الإسلامية تماماً، وأعماله لم تكن دائماً مطابقة لها (2). وبعد أكثر من قرن ونصف من وفاة المانسا موسى نجد أن المجتمع السوداني ما يزال أنيمياً. فقد جاء في السؤال الثاني الذي وجهه الأسكيا محمد إلى الإمام المغيلي: إن أهل بلادي يزعمون أنهم مسلمون [ … ] بالجامع والجمعة والآذان للصلوات الخمس وذلك بعد أن كانت كلها بلاد كفر وأهلها عبدة أصنام، فقام عليهم بعض أجداد هؤلاء السلاطين مع أتباعهم فقاتلوا أولائك الكفار وملكوا بلادهم وسكنوها بالإسلام أكثر من ثلاثين سلطاناً قبل سني علي … ومن صفات سني علي أنه ينطق بالشهادتين ونحوهما المسلمين، ولكن لا يعرف لذلك حقيقة إنما يقول ذلك بلسانه ويصوم رمضان ويتصدق كثيراً بالذبايح عند المساجد ونحوها ومع ذلك يعبد الأصنام ويتصدق على الكهان ويستعين بالسحرة ونحوهم (3). وبذلك يمكن القول أن الإسلام لم يسع إلى هدم الأسس السابقة [للمجتمع الأفريقي] وتقويض القيم وجل العادات الأفريقية القديمة، بل عمل على أن تلائم الدين الجديد [ … ] وقد شهدت أفريقيا ما لم تشهد أكثر البقاع الإسلامية الأخرى احتكاكاً بين التقاليد المحلية والأحكام الجديدة أدى إلى ملاءمة وانصهار بينهما وإلى ظهور المجتمع الزنجي الإسلامي ذي الخصائص المتميزة (4). .. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبته فئة من التجار السودان المسلمين الذين يطلق عليهم اسم الونغرة Wangara) أو الديولا Dyoula)، في نشر الديانة الإسلامية داخل الأدغال الجنوبية للسودان الغربي كما تشير الباحثة Barbara Seniewska إلى ذلك (5). وقد أشار ابن بطوطة إلى الارتباط الوثيق بين التجار المسلمين والوانكرة وانتشار الإسلام عند كلامه عن زاغاري: وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان ويسمون ونجراتة ويسكن معهم جماعة من (1) السعدي، تاريخ السودان، 7. (2) يورد ابن أمير الحاجب أن من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسنة، قدمها له أمة موطوءة فيملكها بغير تزويج مثل ما ملكت اليمين مع ظهور الإسلام بينهم وتمذهبهم بمذهب المالكية. قال ابن أمير حاجب هذا كون هذا مع كان متديناً محافظاً على الصلاة والقرآن والذكر. قال فقلت له: إن مثل هذا لا يجوز ولا يحل لمسلم شرعاً
السلطان
موسى
ولا عقلاً. فقال: ولا للملوك؟، فقلتُ: ولا للملوك وسَل العلماء فقال: والله ما كنتُ أعلم العمري 69. (3) المغيلي، ذكره محمد الغربي، ص 515 هامش 1 وانظر ترجم الرسالة ضمن كتاب Cuog J.، Recueil de sources arabes
البيضان يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج ويسمون ضغنغو، والسنيون المالكيون من البيض يسمون عندهم توري (1). لقد تخصصت الديولا) في ممارسة النشاطات التجارية حتى أعمق الغابات الاستوائية، وتدريجياً أصبحت حضارة الغرب الأفريقي مطبوعة بالدور الطلائعي لهؤلاء التجار المسلمين بتكوينهم لمختلف الشبكات التجارية عبر أفريقيا الاستوائية (2). ومع ذلك يمكن القول أن تطبيق التعاليم الإسلامية لم يجد طريقه إلى سكان الأرياف، وأن الثقافة والآداب الإسلامية لم تمس في العمق إلا الحواضر والقرى الكبيرة بالسودان الغربي.
الكتابة هي
من جانب آخر نجد أن أفراد الجالية المغربية عملوا على نشر الثقافة الإسلامية حتى تجذرت في السودان الغربي. فقد رحل علماء السودان للمغرب للاستزادة من العلم كما أشرنا أعلاه. وبما أن أحد النقط الهامة في جميع المعاملات التجارية، فقد عمل السودانيون على تعلم اللغة العربية للتعامل مع التجار المسلمين الآتين من الشمال والواقع أن اللغة العربية ليست لغة تجارة فقط، وإنما هي لغة القرآن الكريم التي يحتاجها السوداني لأداء فروضه الدينية خاصة الصلاة، ولغة الشؤون الإدارية فى البلاد ولغة التجار والسفراء المغاربة. فاللغة العربية استطاعت لا أن تفرض نفسها كلغة وحيدة، ولكنها أصبحت اللغة الأكثر انتظاماً، واستعمالاً، وغدت إلى جانب الدين المظهر الأساسي لوحدة المجتمع السوداني (3). وأقبل السودانيون على تعلمها وعلى رأسهم الامبراطور سليمان والامبراطور موسى الذي كان يتقنها فلا غرو أن استعمل السودانيون، بمن فيهم الملوك، الخط العربي على طريقة المغاربة). وقد وصلتنا عدة مخطوطات سودانية بالخط المغربي (5). بل كانت الدراسة تتبنى نفس المناهج المغربية، وكانت الكتب المتداولة هي كتب المالكية (6). رسم المؤرخ السوداني عبد الرحمان السعدي صورة ناصعة عن الحياة الثقافية والكتب المتداولة بتمبوكتو في القرن السادس عشر، كما أن شهادة الحسن الوزان تؤكد أنه كان بتنبوكتو عدد كثير من الفقهاء والقضاة والأئمة يدفع الملك إليهم جميعاً مرتباً حسناً، ويعظم الأدباء كثيراً وتباع مخطوطات كثيرة تأتي من بلاد البربر، وتدر أرباحاً تفوق أرباح سائر البضائع (7) ونعتقد أن هذه الصورة هي استمرار لما كان عليه الحال في القرنين السابقين.
وقد
،
(1) ابن بطوطة، 680. (2) ناعمي، م. س. 66؛ إن بدايات التأثيرات الإسلامية الممارسة عن طريق التجار الديولا في شمال الداهومي (الجمهورية الشعبية لبنين حالياً) وشمال غانة ترجع إلى نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن 16.
Levtxion N.، Commerce et Islam chez les Dagomba du Nord Ghana، Annales E.S.C.، XXII، 1968، p.724.
(3) أحمد الغربي، م. س. 570 - 571. 298. ويذكر العمري (ص 74) أنه جاء كتاب من هذا السلطان [موسى] إلى الحضرة السلطانية بمصر (4) القلقشندي، م. س. وهو بالخط المغربي.
(5) حسن الصادقي، مخطوطات في موضوع فاس وأفريقيا ضمن كتاب فاس، وأفريقيا العلاقات الاقتصادية والثقافية والروحية، منشورات معهد الدراسات الأفريقية وكلية الأداب سايس - فاس الدار البيضاء، 1996، ص 15.
(0)
449
148.
(6) دندش عبد الحميد دور المرابطين. (7) الوزان، 167/ 2
م. س.
concernant l'Afrique occidentale du VIII au XVI° s(Bilad al Sudan). Paris، 1975، PP.414 - 415
(4) الغربي، بداية الحكم المغربي، م. س. 568567.
Barbara Stepniewska، Portée sociale de l'islam au Soudan Occidental aux XIV-XVIe siècle. Africana Bulletin، Université (5) de Varsovie. Centre d'Etudes africaines، 1971، p.44.
448