أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

ج ـ على المستوى المديني:

إذا كانت التجارة التي حملت معها كثيراً من القيم الثقافية العربية - الإسلامية هي إحدى العوامل السوسيو - التاريخية الأكثر أهمية لنشر الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء، فإن انتشار الديانة الإسلامية في الأوساط الملكية للسودان الغربي في العصر الوسيط يُفسر في بعض الأحيان بكون الإسلام تقدم في المقام الأول على أنه ديانة أرستوقراطية ومدينية (1). فالعالم السوداني كان يتلقى التأثيرات الحضارية الإسلامية عن طريق التعامل التجاري الذي دفع بالتجار السودانيين إلى الدخول في حظيرة الدين الإسلامي وفي نسقه القانوني والإداري (2). وهذه الصيرورة في التوسع للحضارة الإسلامية إلى الظواهر الحضرية والتجارية يجد مثاله في مدن جني وتمبوكتو وغاو وولاتة التي أصبحت مراكز تجارية ودينية وثقافية نشطة في امبراطوريات السودان الغربي

لقد ساعدت التيارات التجارية الشمالية على إنشاء مختلف العواصم الكبرى بالسودان الغربي. ويرى بعض الباحثين أن منطقة أفريقيا الغربية لم تكن تعرف الأشكال المركزية للمدن قبل القرن التاسع. وجاءت جل هذه المدن على شكل عواصم لتمركز التجار البربر المغاربة وغيرهم مجسدين جزءاً هاماً من الكثافة البشرية ومساهمين بذلك في مختلف مراحل التنمية العمرانية والاجتماعية (3). لنأخذ مثال مدينتي جني وتمبوكتو التي تمكننا المصادر التاريخية من تتبع إقامة البنيات الإسلامية بهما وارتباط نشأتهما بالتيارات التجارية الشمالية.

مدينة جني: يقول عنها عبد الرحمان السعدي هي سوق عظيم من أسواق المسلمين وفيها يلتقي أرباب الملح من معدن تاغزا وأرباب الذهب [ … ] ابتدأت في الكفر في أواسط القرن الثاني من الهجرة النبوية [ … ] ثم أسلموا عند تمام القرن السادس والسلطان كثير هو الذي أسلم وأسلم أهلها بإسلامه ولما عزم على الدخول في الإسلام أمر بحشر جميع العلماء الذين كانوا في أرض المدينة فحصل منهم أربعة آلاف ومائتان عالماً، فأسلم على أيديهم وأمرهم أن يدعوا الله بثلاث دعوات لتلك المدينة. وهي: أن كل من هرب إليها من وطنه ضيقاً وعسراً أن يبدلها الله له سعة ويسراً حتى ينسى وطنه ذلك، - وأن يعمرها بغير أهلها وأن يسلب الصبر من الواردين إليها للتجارة في ذات أيديهم لكي يملوا منها فيبيعونها لأهلها بناقص الثمن فيربحون بها (4).

هذا الاعتناق للدين الجديد والأمنية السياسية - التجارية لملك جني في القرن 14 ساهم في تطوير التجارة الصحراوية بالمدينة، مع ما يستتبع ذلك من استقرار التجار والمثقفين المسلمين ويبين (1) كتبت الدكتورة دندش عبد الحميد قائلة: «ولعل أبرز خصائص انتشار الإسلام في بلاد السودان أنه ابتدأ بالطبقات العليا، والأسر الحاكمة»، دور المرابطين في نشر الإسلام. . . م. س. .، ص 152.

السعدي أن العمليات التجارية ازدهرت بالمدينة بعد ذلك الاعتناق وقد ساق الله تعالى لهذه المدينة المباركة سكاناً من العلماء والصالحين من غير أهله من قبائل شتى، وبلاد شتى (1). أما علماء البيضان فقد سكن فيها كثير من أهل تنبكت (2). من كل ذلك يبدو أن دخول الإسلام للمدينة شديد

الارتباط بتوطيد المعاملات التجارية بها ..

،

وبيط

تمبوكتو: يقول عنها عبد الرحمان السعدي: مسقط رأسي وبغية نفسي، ما دنستها عبادة أوثان ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمان مأوى العلماء والعابدين ومألف الأولياء والزاهدين، وملتقى الفلك والسيار» (3). فهي مدينة إسلامية منذ نشأتها في أواخر القرن الخامس الهجري على يد طوارق مقشرين الذين جعلوها خزانة المتاعهم ورزوقهم، إلى أن صارت مسلكاً للسالكين في ذهابهم ورجوعهم. ثم أخذ الناس يسكنون الموضع ويزداد في العمارة ويأتيه الناس من كل جهة ومكان حتى صار سوقاً للتجارة. ويشير السعدي إلى أن أول من كان يتردد على تنبوكتو هم تجار السراقولي، ثم أهل تلك الجهة كلها ومن المرجح أنهم توافدوا عليها بعد سقوط كومبي صالح (عاصمة غانة في العصر الوسيط في القرن الحادي عشر. وفي القرن 13 م فقط أصبحت تمبوكتو وجني محورا الحياة التجارية بالسودان الغربي وابتداء من القرن 14 أصبحت تمبوكتو مركزاً نشيطاً للتجارة في السودان الغربي. حيث سكن فيها الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلد من أهل مصر ووجل وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتفلالة وفاس وسوس إلى غير ذلك (4) منتقلين إليها من ولاتة مع استقرار التجار والعلماء العرب، ازدهرت التجارة والثقافة إلى حد أن تنبوكتو أصبحت منارة للعلم بالسودان الغربي. ولم يقتصر الأمر على إنشاء المراكز الحضرية وإنما ساهم المغاربة في تطوير الفن المعماري بها. إذ يُعتقد أن أولى المنشآت العمرانية في غاو وتنبوكتو ونياني هي من تصميم وإشراف المهندس الأندلسي إبراهيم الساحلي، الذي أدخل إلى امبراطورية مالي هندسة معمارية متكيفة مع البيئة المحلية، لم تكن معروفة من قبل كاستعمال الجير والآجر المجفف والسقوف المسطحة). وقد حاول البعض أن يربط هذا الأسلوب في البناء الذي أصبح يعرف بـ (الطراز السوداني» بتأثيرات فرعونية. غير أن موريس دولافوس (M Delafosse. يرى أن الساحلي استلهم ابتكاراته من المغرب أثناء إقامته فيه، ويؤكد أنه يكفي ملاحظة شكل البناء وطبيعة هندسته لإرجاعه بالتأكيد إلى الهندسة العربية - البربرية في الجنوب المغربي والواحات الصحراوية (5). وقد وصف ابن بطوطة بعض المعالم التي رسم تصاميمها المهندس الساحلي مثل المساجد والقصر الملكي في نياني بقي

قائماً

مع

Moreau (René Luc)، Africains musulmans، Des communautés en mouvement Editions Présence Africaine، Abidjan- (2) Paris، 1982، p.73.

(3) ناعمي، الصحراء، ص 61. (4) تاريخ السودان، 12 - 13.

450

(1) نفسه، 16.

(2) نفسه، 20.

(3) نفسه، 20 - 21

(4) نفسه، 21.

(5) 159. Delarosse M.، Les relations … ، op. cit.، p نقلاً عن عبد العزيز العلوي، م. س. 66.

451