أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩مثل: تاريخ اليعقوبي (1)، وصورة الأرض لابن حوقل (2)، والمغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب للبكري (3)، ومروج الذهب للمسعودي (4). وتحفة النظار لابن بطوطة (5). ولقد تعامل لفيتسكي مع هذه المصادر والمراجع بمنهجية فيلولوجية دقيقة، فأبان عن قدرة فائقة
على التوليف بينها ومقارنة بعضها ببعض ونقدها بالتثبت من رواياتها وضبطها، وتحقيق ما تذكره من أعلام ومواقع وأحداث؛ مما أعانه على تقديم صورة دقيقة لمختلف علاقات المغرب بالسودان، وخاصة العلاقات التجارية منها التي جمعت بين أطراف هذه البلاد عبر الصحراء الكبرى، وما ترتب عنها من تبادل التأثيرات والمؤثرات الثقافية المختلفة. فما هي يا ترى أهم ملامح هذه العلاقات، وكيف تمكن بواسطة النقد المذكور من تأسيسها؟
3 - انطلق لفيتسكي للحديث عن هذه العلاقات من مسلمة ذهب فيها إلى أن المصادر القديمة والشواهد الأثرية تثبت بما لا يقبل الشك أن الصحراء الكبرى كانت دائماً محل اختراق تجاري وثقافي. وذلك منذ العهود القرطاجية والرومانية القديمة بالمغرب. ولقد لعبت القبائل المغربية
بين
التي حافظت باستمرار على استقلالها عن سلط هذه الحقب دور الوسيط التجاري النشط بلاد السودان والمحطات التجارية للساحل الجنوبي للمتوسط. فمن هذه المحطات كانت تسير القوافل محملة إلى بلاد السودان بالثياب والمنسوجات والملح وببضائع أخرى من جنوب أوروبا وغرب آسيا. وإليها كانت تعود بالذهب وبمنتوجات أخرى من بلاد السودان (6). ولم ينقطع المغاربة عن متابعة هذا النشاط التجاري بعد دخولهم في الإسلام، بل على العكس من ذلك، فلقد حافظوا عليه وطوروه. ولقد أعزى لفيتسكي ذلك إلى تمكن هؤلاء من تأسيس دولتين خارجيتين بالمغرب: الدولة الصفرية بسجلماسة، والدولة الإباضية بتاهرت أعزاه كذلك إلى ما جبل عليه هؤلاء المغاربة من حس تجاري فائق (8). والواقع أنه كان لتأسيس هاتين الدولتين أثر بالغ في تطور العلاقات التجارية بين المغرب
والسودان الغربي والأوسط. فذلك هو ما اهتمت بإبرازه والاستدلال عليه جل أبحاث لفيتسكي، وما ستؤكده كذلك أطروحة محمود إسماعيل حول الخوارج في بلاد المغرب (1). غير أن مروره مر الكرام على علاقة هذه التجارة بالشرق الإسلامي، وعدم تأطيرها ضمن النهضة الاقتصادية العامة التي دشنها الإسلام في العالم، ورعاها يطرح أكثر من سؤال حول نظرة الرجل الاختزالية لعلاقة هذا الدين بمحيطه. ثم إن دفاعه عن كون نمو هذه التجارة يرجع إلى خاصيات مغربية، ينم عن نظرة عرقية غير علمية للموضوع، ويجعل من الثقافة منتوجاً عرقياً وليس العكس (2)، فمما لا شك فيه أن هذه التجارة قد ارتبطت بضرورات تاريخية وجغرافية واضحة وليس بضرورات عرقية مزعومة في حد ذاتها. ينضاف إلى كل هذا ما ذهب إليه لفيتسكي لتفسير إقبال البربر على المذهب الخارجي، بما تضمنه هذا المذهب من: عقائد ديموقراطية واتجاهات يسارية (3)؛ يخرق منهجيته التاريخية الفيلولوجية، وروحها الوضعية الصارمة، لسبب بسيط لا يحتاج لأي توضيح، بقدر ما هو بين بنفسه ولقد استوقفت لفيتسكي مسألة علاقة التجارة الإباضية بالتبشير بالإسلام في بلاد السودان ونشره بين ساكنيها. والحق أنه قد اجتهد في إيفائها حقها بالنظر إلى ما توافر بين يده من الشواهد الضرورية للقيام بذلك. فلقد عمل على استنطاق هذه النصوص لإبراز العلاقة المعنية وتبئيرها. وفي هذا الصدد تناول كتاب السير للشماخي وطبقات المشايخ للدرجيني، ومسالك البكري للنظر في ما ذهب صاحب أول هذه المصادر اعتماداً على ثانيهما؛ من كون إسلام أحد ملوك السودان، قد تم على يد التاجر الإباضي: يحيى بن خلف النفوسي. وأنه هو المعني برواية البكري التي تعرضت لإسلام ملك غانا الذي سمي بين قومه بالمسلماني (3). ولقد أسفر نقده لهذه النصوص وموازنته بينها
(1) سبق ذكرها بالهامش: 16.
(4)
(2) ولا غرو في ذلك فمفاهيم العرق والثقافة لم تكن قد اتخذت بعد شكلها العلمي المعاصر عن هذين المفهومين، يراجع:
Lévi struass. Claude.
Race et Histoire، Paris، 1977.
Anthropologie Structurale، Paris، II، 1973.
Le regard éloigné، Paris، 1983.
«Les berbères nord-africain [ … ] firent leurs les doctrines démocratique de la sécte Kharidjites [ … ] Les Sufrites [ … ] (3) représentant، au Maghreb، les tendences de gauche>>.
Lewicki. Tadeusz، «<Traits d'histoire du commerce transsaharien.» op. cit، 294.
(4) ونقصد بذلك دعاوى التفرقة بين البربر والعرب التي دأب المستشرقون على الترويج لها. (5) في رواية الشماخي: وسافر أبو يحيى إلى بلاد السودان فألفى ملكهم ناحل الجسم، ضعيف القوى. قال له: ما بك؟ قال: خوف الموت! قال أبو القاسم: فأخبرته من الله وصفاته - سبحانه - والجنة والنار والحساب، وما أعد الله للمطيع والعاصي. فكذبني وقال: لو صح. عندك ما تقول، لما بلغت إلينا تطلب الدنيا. فما زلت أذكره نعم الله وآلائه حتى أسلم، وحسن إسلامه». الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد كتاب السير أبي، تحقيق، حسن.
محمد،
2635
في رواية البكري: وكان عنده ضيف من المسلمين يقرأ القرآن ويعلم السنة فشكا إليه الملك دهمهم من ذلك فقال له أيها الملك لو آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمد عليه الصلاة والسلام [ … ] فلم يزل به حتى أسلم وأخلص نيته [ … ] وصح إسلامه وإسلام عقبه وخاصته وأهل مملكته مسلمون فوسموا ملوكهم مذ ذاك بالمسلماني البكري. أبو عبيد الله المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب. (وهو جزء من كتاب المسالك والممالك). 187.
=
Ed. Houtsma. M. Th، Leyde، 1883.
Ed. Kramers. J.H، Opus geographicum، T. 1، Leyde، 1938.
Traduite par Slane. Marc Cuckin. de، Description de l'Afrique septentrional par el Bekri. Maçoudi، les prairies d'or. Texte et traduction par C. Barbier de Meynrad، T. IV، Paris، 1885. Defrémery. C، Sanguinetti. R، Voyage d'ibn Batoutah، Texte arabe acompagné d'une traduction، Paris، 1853.
Lewicki. Tadeusz، «Traits d'histoire du commerce transsaharien». op. cit، 293 - 49.
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6) ولقد استثمر لإثبات ذلك أدبيات جغرافية وتاريخية وأركيلوجية متعددة.
(7) نفسه، 294 - 295. وعن تاريخ قيام هاتين الدولتين وسقوطهما وموروثهما يراجع إسماعيل محمود عبد الرازق، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، دار الثقافة، الدار البيضاء 1985.
«Les marchands berber-ibadites، etaient، en effet، connus autrefois pour leur esprit d'entreprise، et ce fut à eux [ … ] que (8) revient le principal mérite de l'organisation d'un commerce d'echanges avec le Soudan occidental et central، aux Xe siècle.
Lewicki. Tadeusz، «<Traits d'histoire du commerce transsaharien.» op. cit، 296.
457
456