أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥تعرف هذه الدولة غير الانشقاقات والفتن والثورات المتواترة فقط، بقدر ما عرفت كذلك كيف تصرف أمورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1). فسياسياً واجتماعياً اعتمدت
على ما كانت تعتمده مختلف الدول الإسلامية من نظم إدارية ومالية لتدبير وظائف الإمامة والقضاء والجباية والوزارة والحجابة والشرطة والزكاة الخ (2) إلى جانب انتهاجها لسياسة خاصة في علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى (3). واقتصادياً، فلقد اعتمدت الدولة على التجارة إلى جانب الزراعة والرعي بحيث عرفت كيف تستثمر موقعها الجغرافي لتستفيد منه في مختلف هذه المجالات. في هذا الصدد اعتنى الرستميون بشق القنوات وإقامة الطواحين على مجاري الأنهار بتاهرت لزراعة الحبوب وغرس الأشجار (4)، كما عنوا كذلك بالآبار بورقلة التي اشتهرت بالنخيل والزيتون (5). وفي جبل نفوسة، احترفت رعيتهم رعي الأغنام والماشية (6). كما اعتنوا كذلك بتوطيد العلاقات التجارية مع البلاد الإسلامية، شمالاً وجنوباً وشرقاً، بغض النظر عن انتماءاتها المذهبية، بل إن الصراع المذهبي والحربي، وسوء العلاقات بين تاهرت وبغداد والقيروان لم يشكلا أبداً عائقاً في وجه هذه العلاقات (7). ينضاف إلى هذا أن الرستميين أدركوا بالفعل أهمية دور الوسيط التجاري الذي تهيأت للقيام به بلادهم بين مختلف هذه المناطق وبلاد السودان فاهتموا برعايته وتطويره ودعمه (8). ودعمه (8). ولقد
(1) ويتضح الأمران معاً عند مؤرخي هذه الدولة الإباضية ودارسيها من مثل: ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق، ناصر محمد وبحاز إبراهيم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986. إسماعيل محمود عبد الرازق الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، دار الثقافة، الدار البيضاء
301 - 271 - 182_155.1985
97 - 57 - 54 - 41 - 40 5.
(2) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، س. إسماعيل محمود عبد الرازق. س. ذ. 262 - 270.
370
(3) بين محمود إسماعيل كيف تحددت علاقات الدولة الرستمية بمقتضياته الجغرافية والمذهبية ومصالحها الاقتصادية؛ مميزاً بين علاقاتها الودية التي جمعتها بأمويي الأندلس وبصفرية سجلماسة وعلاقاتها العدائية التي جمعتها بالعباسيين
والأغالبة والأدارسة. 183 - 208
(4) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، س. ذ، 35 36.
إسماعيل محمود عبد الرزاق الخوارج. س. ذ، 274.
،
(5) الإدريسي الشريف محمد صفة المغرب وأرض السودان ومصر، ليدن 1894، 121. إسماعيل محمود عبد الرازق الخوارج. س. ذ. 275.
(6) ابن حوقل صورة الأرض، س. ذ، 86.
ف إسماعيل محمود عبد الرازق، الخوارج. س. ذ. 275. (7) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، س. ذ. 36 - 37. إسماعيل. محمود عبد الرازق، الخوارج. س. ذ. 277.
(8) ومثال ذلك، أن أفلح بن الإمام الرستمي عبد الوهاب قد رغب في مرافقة قوافل بلاده التجارية إلى السودان، ولم يتأت له ذلك في ولاية أبيه. وعندما بويع إماماً للإباضية بتاهرت بادر إلى إرسال محمد بن عرفة سفيراً له إلى هذه البلاد. وكان بالبلد رجل يعرف بمحمد بن عرفة وكان وسيماً جميلاً جواداً سمحاً، وكان نقد وفد على ملك السودان بهدية من قبل =
عبر
،
اشتهرت تاهرت عاصمتهم بذلك فقصدتها جموع غفيرة من التجار بألوان شتى ومذاهب فكرية وعقدية وفقهية وسياسية مختلفة. والواقع أن هذا الدور المذكور، قد شكل العمود الفقري لاقتصاديات الدولة الإباضية. وضمنه احتلت التجارة العابرة للصحراء الكبرى مع بلاد السودان مكانة الركن الأساس. وإلى جانب تاهرت، فلقد لعبت المدن الواقعة على الضفة الشمالية للصحراء من الحدود الجنوبية للدولة مثل ورقلة وغدامس وزويلة دوراً أساسياً في هذا النشاط التجاري. فمنها انطلقت القوافل التجارية تخترق الصحراء إلى غانا عبر سجلماسة، وإلى غاو تادمكة. ومن طرابلس إلى كانم في الأجزاء الوسطى من السودان (1). وإليها كانت ترجع لتنطلق من جديد إلى موانئ المتوسط نحو الأندلس ونحو الشرق الإسلامي. وبما أن الإباضية كانوا أصحاب دعوة حضارية مثل غيرهم من المسلمين، فإنهم لم يكتفوا بتسويق المنتوجات التجارية على هذه القوافل وبواسطتها، بل استثمروها كذلك لنقل منتوجاتهم الثقافية العربية الإسلامية إلى هذه البلاد السودانية. فكثيرة هي الشواهد والأدلة المختلفة على أن الإباضية قد احتلوا مكانة الريادة في نشر الإسلام بوصفه ديناً وثقافة بين الشعوب السودانية منذ أن عرفوا الطريق إليها، أي ابتداء من مطلع القرن الثاني الهجري. فأبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني يتحدث في سيره عن عمروس بن فتح أحد قضاة جبل نفوسة الذي بعث عالماً كبيراً من أهل الدعوة إلى زغاوة ليستقر هناك ويطيب له المقام فيها (2). وأبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي أورد رواية ذهب فيها إلى أن أبا يحيى الفرسطائي دعا أحد ملوك السودان الزغاويين إلى الإسلام، فاستجاب إلى ذلك، وحسن إسلامه (3). وفي سير
أفلح بن عبد الوهاب فعجب ملك السودان ما رآه من هيبته وجماله». ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، س. ذ. 71. إسماعيل. محمود عبد الرازق، الخوارج. س. ذ. 277.
Lewicki. Tadeusz، «Traits d'histoire du commerce transsaharien. Marchands et missionnaires Ibadites en Soudan occidental et central au cours des XIII-XII° siècles»، Etnografia polska، VIII، Wroclaw-Warszawa-Krakow، 1964، 302.
(1) انظر: مصورة الخريطة التقريبية التي أعدها لفيتسكي بمقاله: Traits d'histoire du commerce transsaharien الملحقة بهذا
البحث.
(2) سير أبي الربيع، مخطوطة دار الكتب المصرية ورقة 4 نقلاً عن إسماعيل. م. ع، س. ذ، 300). (3) وسافر أبو يحيى إلى بلاد السودان. فألفى ملكهم ناحل الجسم، ضعيف القوى. قال له: ما بك؟ قال: خوف الموت! - قال أبو القاسم: فأخبرته عن الله وصفاته سبحانه والجنة والنار والحساب وما أعد الله للمطيع والعاصي فكذبني، وقال: عندك ما تقول لما بلغت إلينا لطلب الدنيا. فما زلت أذكره نعم الله وآلائه حتى أسلم، وحسن إسلامه، وقد أعطي لو صح. قوة، وقد قيل: ينقل التراب من خلفه، إذا عزق سبع ثيران. الشماخي. أبو العباس أحمد بن سعيد كتاب السير (الجزء الخاص بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن الخامس هـ/ IX) تحقيق ودراسة محمد حسن كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - تونس السلسلة 4 المجلد: 30، 1995. 263 والجدير بالذكر أن البكري، يذكر بأن أحد ملوك غانة قد أسلم على يد ضيف من المسلمين [ … ] وصح إسلامه وإسلام عقبه وخاصته وأهل مملكته مسلمون فوسموا ملوكهم مذ ذاك بالمسلماني»، المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب، =
469
468