أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

2

(1)

المشايخ لمجهول إباضي من القرن السادس الهجري، نقف على روايات كثيرة تتحدث عن انتقال الإباضيين من تجار وعلماء بين بلادهم وأرجاء السودان وتفضيل بعضهم الاستقرار نا بهذه الأخيرة. ومن أدلها في هذا الصدد روايتين اثنتين: تذكر أولاهما كيف رفض أحد علماء يال الأباضية الذي كان قد وضع بورجلان) مسائل التوحيد والرد على المخالفين (2) القعود بحلقة بها على الرغم من الإغراءات المادية ليفضل السفر إلى غانة، ثم إلى غيارة حيث لزم بيته إلى أن مات. وتورد ثانيتهما خبراً عن مدى ورع أحد التجار الإباضية المستقرين بتادمكة، وسهره على بعثه بزكاة أمواله إلى فقراء بلاده الأصلية. فلما بلغه بأنهم قد استغنوا عن ذلك، أمر بتوزيعها على أهل الدعوة (3). ينضاف إلى كل هذا ما تميز به تجار الخوارج على حد شهادة أحد مخالفيهم، أبو القاسم ابن حوقل من حسن كمال أخلاقهم وأعمالهم ومسارعتهم إلى الخير، وتدينهم القوي، واستر خاصهم لكل غال وثمين في سبيل الدعوة إلى الإسلام (4). فمما لا شك فيه أن استقرار بعض الإباضية على هذه الحال من حسن كمال الأخلاق والالتزام بالدعوة ببلاد السودان قد ساهم في وضع البذور الأولى للثقافة الإسلامية بهذه الربوع، وبتعهدها بالرعاية من بعد ما انتشر الإسلام بها نتيجة ما بذله المرابطون من مجهودات معروفة هذا في هذا المضمار هذا المضمار (5). ومن البداهة بمكان أن الإباضيين قد زرعوا تلك البذور واعتنوا بها وفق مذهبهم العقدي الخاص. فلا عجب إن استوضح أصحابه بورقلة عبد الوهاب الأنصاري من غانة عما استشكله من قضايا كلامية متعددة ما الذي دفعه إلى استصدار هذا الاستيضاح؟.

=

2 لا يمكننا أن نتطرق إلى هذا السؤال وإلى غيره من الأسئلة الأخرى المتعلقة به دون التعريج على التاريخ الفكري للإباضية بالمغرب، ضمن تاريخ مصيرهم العام فيما بين القرن الثاني

س. ذ. 187 ولقد ذهب الدرجيني إلى أن الضيف المقصود في هذه الرواية هو أبو يحيى المذكور عند الشماخي؛ غير أن لفيتسكي أكد بنقد فيلولوجي محكم عدم صحة هذه الدعوى.

Lewicki. Tadeusz، «Traits d'histoire، op. cit، 298.

(1) وقفنا على بعض الشذرات من هذه السير كما نشرها لفيتسكي الذي أخذها بدوره من مجموع للمخطوطات الإباضية كان قد جمعه سموغوروفسكي Smogorzewski لدراسته ونشره قبل موته ويتضمن هذا المجموع بالإضافة إلى هذه السير مخطوطة: الأئمة وأخبارهم لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر ومخطوطة كتاب السير لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني. ويذكر لفيتسكي بأن قسماً من هذا المجموع قد انتقل من مكتبة جامعة: لوو Lwow إلى مكتبة

سير

جامعة كراكوفيا. Krakow

:

:

Lewicki.Tadeusz، «Quelques extraits inedits relatifs aux voyages des commerçants et des missionnairs ibadites nord- africains au pays du soudan occidental et central au moyen age»، Folia Orientalia، 1960. T.2، 1 - 27.

(2) نفسه، 20. (3) نفسه، 18.

(4) ابن حوقل كتاب صورة الأرض، س. ذ، 103.

(5) شكلت هذه المجهودات موضوع رسالة جامعية لدندش عصمت عبد اللطيف دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب أفريقيا. 430. 515 هـ - 1038. 1121 م، دار الغرب الإسلامي، 1988.

والقرن السادس الهجري. لقد استلزم قيام دولة بني رستم بالمغرب على أسس المذهب الإباضي، اهتمام الإباضيين بدرس مختلف مناحيه والدفاع عنه بين المخالفين، والتعريف به بين صفوف رعاياهم وغيرهم من التجار والزوار الذين وفدوا على مدنهم من مثل تاهرت وورقلة وغيرهما وتذهب مصادر الإباضية كما يذهب إلى ذلك أحد مخالفيهم وهو ابن الصغير، إلى أن الإباضيين قد ضمنوا هامشاً واسعاً من الحرية المذهبية للمخالفين للذب عن أفكارهم ومعتقداتهم. فلقد جرت - ضمن هذا المناخ العام - مناظرات عديدة بينهم وبين مختلف المكونات المذهبية للمغرب في تلك الحقبة من شيعة وواصلية ومالكية (1). وبديهي أن تدبير هذه العملية كان يقتضي في حد ذاته من الإباضيين كذلك، الاجتهاد في تحصيل مجمل علوم الثقافة الإسلامية المختلفة من عقائد وشرائع وآداب وسير وتواريخ وفلك ورياضيات، وإنتاجها واستهلاكها والتمكن منها خير تمكن. فلقد شجع البيت الرستمي على الاندراج في ذلك، بل لقد كان هذا البيت في حد ذاته؛ بيت علم جمع: «علوم التفسير والحديث وعلم اللسان وعلم النجوم والأصول والفروع والفرائض ويبدو بأنه كان للنشاط التجاري الإباضي المذكور سابقاً، بما كان يترتب عنه من فائض القيمة وتراكم الثروات، دوراً كذلك في هذا النشاط المذهبي والعلمي. فبفضله تحولت تاهرت إلى مركز من مراكز الثقافة الإسلامية بالمغرب فإليها أمّ طلبة العلم والتجارة بلغاتهم ولهجاتهم ام. المختلفة (3)، ومنها خرج آخرون إلى القيروان وقرطبة (4).

ومن الطبيعي أن يتقلص هذا النشاط بعد سقوط دولة الإباضية على يد الشيعة الفواطم سنة 297 هجرية، وبعد تخريب تاهرت وإحراق مكتبتها المعصومة (5). غير أن انهيار هذه الدولة لم يؤد إلى

(1) ذكر أبو زكريا يحيى بن أبي بكر في سيره مناظرة الواصلية للإمام عبد الوهاب واستعانته لمناظرتهم بأحد علماء نفوسة، فخرج مهدي للمناظرة بين الصفين ومن معه من أصحابه [ … ] فخرج الفتى المناظر من المعتزلة ووجوه المعتزلة معه»،

70

س

-117.97 93.3.

وذكر ابن الصغير كذلك بعضاً من مناظراته ومناظرات غيره من المخالفين للإباضية أخبار الأئمة 120. كما ذكر كذلك تسامح الإباضية في مناظراتهم مع أغيارهم إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها (كذا) ومن أتى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم، 117. هذه المناظرات وعن الحياة الثقافية للدولة الرستمية، يراجع فصل المناظرات وعلم الكلام من كتاب بحاز إبراهيم الدولة الرستمية، (رسالة ماجسير نوقشت في بغداد سنة 1983.

وعن

(2) الدرجيني. طبقات الإباضية، س. ذ، ج 1 ورقة 25 أورده إسماعيل. م، الخوارج، س. ذ. 298. (3) الشماخي. أبو العباس أحمد بن سعيد، كتاب السير، طبعة حجرية، القاهرة، 13.1، 263. (4) ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن مالك الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم،

القاهرة، 1955، ج 1، 86. الضبي ططط.

(5) عن أسباب هذا السقوط والتخريب وعواملهما وتفاصيلهما يراجع إسماعيل. م. ع، الخوارج س. ذ، 229 - 254. ولقد وقف ابن حوقل على آثار كل ذلك:

471

470