أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

اندثار الإباضيين من المغرب بل فقط إلى انحصارهم ببعض الجهات منه من مثل جبل نفوسة شمالاً وواحة ورجلان جنوباً؛ حيث استمروا في إنتاج مذهبهم وثقافتهم للمحافظة على بقائهم. ومن هذه الأخيرة، ومن غيرها، اخترق بعضهم الصحراء إلى بلاد السودان الغربي والأوسط، فراراً من المتابعات العسكرية الشيعية (1)، ولمزاولة التجارة، ولضمان استمرارية المذهب، وللدعوة إلى الإسلام بين السودانيين وفق مقتضياته العقدية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولا بأس أن نشير إلى بعض الدراسات الحديثة التي أكدت هذا الأمر بما لا يدع أي مجال للشك فيه. فلقد استدلت عليه بالرجوع إلى مصادر غير إباضية من مثل مسالك البكري التي يذكر فيها بأن بعض القبائل المعروفة بولائها للمذهب الإباضي، قد استوطنت متخاصمة مع القبائل السنية أو دغست (2). ومن مثل رحلة ابن بطوطة التي ذكر فيها بأن جماعة من البيضان بمالي يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج ويسكنون إلى جانب السنيين المالكيين (3). كما استدلت على ذات الأمر كذلك بالاستناد إلى مصادر إباضية عديدة مطبوعة ومخطوطة تتضح فيها استمرارية العلاقات التجارية والدينية بين ما تبقى من البلاد الإباضية بالضفة الشمالية للصحراء الكبرى وبين بلاد السودان الغربي والأوسط بضفتها الجنوبية (4). 3 - 1 لنعد إلى سؤالنا ما الذي دفع عبد الوهاب الأنصاري إلى استيضاح أبي عمار عبد الكافي بورقلة ما استشكله من قضايا كلامية بغانة؟، ذهبنا إلى أن انهيار الدولة الإباضية بالمغرب، لم يؤد إلى اندثار الإباضيين وإلى زوال مذهبهم وثقافتهم عن هذه البلاد المغربية وإنما أدى فقط إلى انحصارهم ببعض جهاته ومنها ورقلة فلقد استخلفت هذه الجهة من تلك البلاد تاهرت بعد سقوطها، بحيث اضطلعت بأدوارها السياسية والعلمية والتجارية. فسياسياً، استعاض الإباضيون في تدبير أمورهم العامة بها عن مؤسسات دولتهم المنقرضة، بمؤسسات جديدة، اتخذوها عرفاً، ثم قننوها تقنيناً في مطلع القرن الخامس، وهي حلقة العزابة، ومجلس العشيرة ومجلس أمسطوردان (5). وعلمياً تحولت ورقلة إلى أحصن ملجأ يلجأ إليه العلماء

:

وبهم ظهر أبو عبد الله الداعي وأخذ المغرب، وقد تغيرت [تاهرت] عما كانت عليه وأهلها وجميع من قاربها من البربر إلى وقتنا هذا فقراء بتواتر الفتن عليهم ودوام القحط وكثرة القتل والموت» ابن حوقل صورة الأرض، س. ذ، 96. (1) عن تقهقر الإباضية - وكذلك الصفرية - إلى بلاد السودان أمام الانتصارات الشيعية عليهم يراجع: تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب. القسم الخاص من كتاب عيون الأخبار للداعي إدريس عماد الدين تح. محمد اليعلاوي، دار الغرب

الإسلامي،

466 448 407 404 162 1985.

Lewicki. Tadeusz، «<Traits d'histoire du commerce transsaharien. Marchands et missionnaires Ibadites en soudan (2) occidental et central au cours des VIII-XII° siècles»، Etnografia polska، VIII، Wroclaw-Warszawa-Krakow، 1964، 307.

(3) وكان يسكن هذه المدينة [أو دغست] زناتة مع العرب البكري المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب، 168. (4) ويسكن معهم جماعة من البيضان يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج ويسمون صغنغو ابن بطوطة، تحفة النظار،

779 (3) (5)

رجع لفيتسكي بالإضافة إلى سير الشماخي المطبوعة إلى قائمة من مخطوطات الإباضية من مجموعة سلفه سموغوروفسكي. انظر هامش 19 ولقد أورد منها مقتطفات يتحدث فيها أصحابها عن علاقة الإباضية التجارية والدينية بتادمكة وأودغست وغاو وغانا، وغيارة وغيرها من البلاد السودانية.

والطلاب والزهاد [ … ] فيه من الخزائن المملوءة بالمجلدات والأسفار الضخمة في الفنون المختلفة؛ بحيث لم تنقطع عنها حلقات الدرس برئاسة فطاحل علمائها أبدا، مما يفسر انتساب أغلب علماء الإباضية إليها (1). وتجارياً فلقد استمر أهل ورقلة في القيام بدور الوسيط التجاري بين شمال أفريقيا وبلاد السودان مستثمرين موقعها الطبيعي بين ضفتي الصحراء الكبرى على أحد طرقها التجارية الهامة (2). فمن ذلك الملجأ الحصين، كان يخرج طلاب العلم إلى المراكز العلمية الإسلامية الأخرى مثل القيروان والأندلس لصقل علومهم، وإليه يعودون لنشرها من جديد بين بقية الورجلانيين. وتلك حالة أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي الذي خرج من ورقلة إلى القيروان حيث انقطع فيها إلى أساتذته إلى أن أجازوه للفتوى والتدريس (3)، قبل أن يعود إلى ورقلة لممارستهما، ولتأليف كتبه العديدة في السير وعلوم الشريعة بجميع فروعها من مثل كتاب الموجز، وكتاب الاستطاعة، وكتاب شرح الجهالات (4)، وكثير من الفتاوى في الإشكاليات العقدية التي كان يطلب من علماء ورقلة الجواب عنها (5). فلا غرو أن صنفته طبقات الإباضية من كبار علماء الكلام والمنطق والجدل، ومن أعلام اللغة والأدب والتاريخ ولا غرو كذلك أن يتوجه عبد الوهاب الأنصاري باستضاحاته العقدية إليه ولا غرو، كذلك في أن يضمن إبراهيم أبو يعقوب الورجلاني رد طلبة عبد الكافي على رسالة عبد الوهاب الأنصاري كتابه الدليل لأهل العقول. فلقد اهتم في هذا الكتاب - من ضمن ما اهتم به - بقضايا علم الكلام، وبمختلف المواقف التي بلورتها الفرق الإسلامية في هذه القضايا واستدلالاتها على ذلك. لم نقف فيما توافر لدينا من مصادر إباضية المغرب ومن دراسات حولها على أي تعريف بعبد الوهاب هذا ويشير إليه صاحب الدليل لأهل العقول تارة برجل حيث يقول: «فَلْنُعَقِّب بالرد على رسالة جائتنا من غانة على يد رجل يسمى عبد الوهاب، وتارة بالفقيه عبد الوهاب بن

العمالة

(1) وذلك من بعد ما يئسوا تماماً من مقاومتهم الحربية للشيعة، ونفضوا يدهم نهائياً من أي صراع على السلطة. وعن أدوار هذه المؤسسات ووظائفها، يراجع معمر. ع. ي الإباضية في موكب التاريخ، س. ذ، 370 - 389.

< Traits d'histoire du commerce transsaharien». op.cit، 293.

(2) نفسه، 383. (3) انظر: مصورة الخريطة التقريبية التي أعدها لفيتسكي بمقاله: (4) ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة من أئمة القرن السادس بوصفه من أهم أئمة الإباضية وعلمائهم الكبار، رسالة طبقات العلماء. المرجع، معمر س. ذ، 215. وخرج معمر ترجمة مطولة له من طبقات الشماخي والدرجيني وغيرهما، فقدمه من بين أبرز علماء الإباضية في الأدب والتاريخ والسيرة زيادة عن علوم الشريعة بجميع فروعها، وكان يضطلع بالتدريس والفتوى والحكم بين الناس ومن بين كبار علماء الكلام والمنطق والجدل ولكنه كان أيضاً من أولئك العلماء الذين يشغلهم علم الباطن من علوم اللسان.

(5) الشماخي، كتاب السير، الطبعة الحجرية س. ذ، 441. ولقد ذكر موضوعات هذه المؤلفات في ترجمته لعبد الكافي لفيتسكي كما ذكرها كذلك شاخت.

Lewicki. Tadeusz، «Les historiens biographes»، op.cit، 35 - 36.

Schacht. J، «Bibliothèques et manuscrits abadites»، Revue Africaine، N°: 464 - 449، 1956.

473

472