أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨محمد بن غالب الأنصاري (1). والظاهر أنه ليس من علماء الإباضية المهمين، غير أنه من المؤكد واحد منهم، يعتنق، مذهبهم ويهمه أن يدافع عن عقيدته بين مساكنيهم ومناظريهم من الأشاعرة بغانة. ذلكم هو ما تفصح عنه رسالته إلى أبي عمار بل ذلكم هو موضوع هذه الرسالة الأساس. كما يهمه كذلك، أن يبتهل له أبو عمار في الدعاء ليطلق الله سراحه من هذه البلاد، وأن يستوهب له من العزابة الدعاء لكي ينقذه الله من الضلالة. لماذا يستدر عبد الوهاب هذين الدعائين؟ يثير هذا السؤال إشكالات عديدة متعلقة بعلاقاته بالإباضية من جهة وبعلاقات غانة بالسلطة الإسلامية المغربية الموحدية من جهة ثانية والواقع أن مصادرنا ومراجعنا لا تتيح لنا إمكانية تقديم أجوبة شافية عن هذه الإشكالات، بقدر ما تسمح فقط بتكوين بعض الافتراضات. فالظاهر من رسالة عبد الوهاب بأنه كان يرزأ بالفعل في قيود الأسر الغاني، كما أنه كان يريد من عبد الكافي أن يشفع له أمام حلقة العزابة بورقلة، لمخالفة ما يكون قد ارتكبه في حق انتمائه للإباضية، أو لكي يبادروا إلى تخليصه من أسره، أو لتظافر الأمرين معاً (2). ولعله لم يبعث رسالته التي ضمنها مناظرته للأشاعرة بغانة من وجهة نظر إباضية إلا لكي يقدم لإخوانه في المذهب بورقلة عربوناً على حسن انتمائه إليهم وإخلاصه لمذهبهم. ولقد سبق أن أكدنا بأن علاقات تجار الإباضية ومبشريهم بغانة قديمة جداً، كما بينا كذلك بأنهم قد عنوا بتنظيمها والمحافظة عليها كما تشهد بذلك سفارة الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب إلى هذه الجهة من بلاد السودان. ومما لا شك فيه أن التاريخ الذي جمع بين والمغرب في الحقبة المعنية في هذه الورقة الذي تميز بتوتر ملحوظ، قد أثر في مجريات العلاقات التجارية والدينية التي جمعت بين شعوب هذه البلاد المختلفة. فالمرابطون استطاعوا فيما يبدو إلحاق أطراف من غانة بسلطتهم (3). والموحدون لم يهمهم منها ـ في ما يبدو ـ غير ضمان حرية حركة التجارة العابرة للصحراء. فلقد عاب الأمير أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن على ملك مالي، خرقه لهذه الحرية باحتباسه للتجار المسلمين في رسالة وجهها إليه، متضمنة في نفح الطيب (4). فهل كان عبد الوهاب الأنصاري أحد الأسلاف التاريخيين لهؤلاء المحتبسين؟. تومئ
للمقري
غانة
(1) ذكر معمر عن الدرجيني، تفويض علماء ورجلان أبا عمار في الإجابة عن الأسئلة التي أرسلها إليهم أبو عبد الرحمن الكرتي وجواب أبي عمار عنها. نفسه، 217 - 218. (2) أبو يعقوب الدليل لأهل العقول، س. ذ. ج 1، 54.
(3) لحلقة العزابة دور كبير في تنظيم حياة الإباضية وتدبيرها بكفاح البدع» و «كفاح الرذيلة» و «كفاح الظلم» ولقد أبرز كل ذلك
معمر، س. ذ. 168.
و درسته كذلك، دندش. ع. ع، س. ذ. 111 - 116. ولقد صدر مؤخراً كتاب يراجع هذه المسألة على ضوء مصادر ووثائق جديدة، ومن خلال مقاربة نقدية متميزة. يدحض فيها الرأي الواثق من الغزو المرابطي لمملكة غانة الشكري أحمد مملكة غانة وعلاقتها بالحركة المرابطية (هل حقاً قام المرابطون بغزو غانة؟). منشورات معهد الدراسات الأفريقية الدار البيضاء 1997 (يراجع الفصل الثالث على الخصوص من هذا الكتاب). (4) وقال في رحلته [رحلة السرخسي إلى المغرب] لما ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها: اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة =
في الواقع إلى ذلك، عباراته المفعمة بالألم والرجاء في أن يطلق الله سراحه من بلاد السودان، كما يعضده كذلك احتجاج الأمير الموحدي على ملك غانة. فهل كان احتباس التجار المغاربة هو ديدن بعض ملوك غانة في هذه الحقبة وفي ما سبقها من حقب؟ أم أننا فقط اتجاه بعض التجاوزات المعزولة، التي لم يكن لها أن تصمد أمام متطلبات التواصل التجاري والثقافي بين شعوب ضفتي الصحراء الكبرى؟ ومهما يكن من أمر فإنه من المؤكد أن ضروب هذا التواصل لم تنقطع عراها أبداً وذلكم على الرغم من فقدان الطرق التجارية العابرة لهذه الصحراء لأهميتها الاستراتيجية التجارية، نتيجة الانقلابات الجذرية التي ستعرفها طرق التواصل التجاري للتجارة العالمية في مرحلة لاحقة كما هو معروف.
3
صرفة، لا
يهم
2 تلكم هي بعض أهم مظاهر التواصل الذي جمع بين شمال أفريقيا والضفة الجنوبية للصحراء، التي تحيل عليه رسالتنا وتستدعي الوقوف على أنواعه المختلفة وقضاياه المتعددة ودراستها. أما عن مضمونها الأساس، فهو مضمون عقدي انصب على قضايا كلامية ومذهبية هذه المداخلة منها - بالنظر إلى طبيعتها - غير التعريج على بعض ملامحه العامة. فعندما يناظر عبد الوهاب الأنصاري الأشاعرة في غانة وعندها يحاول أن ينتصر في كل ذلك إلى تصورات مذهبه في الوعد والوعيد والنظر إلى الباري سبحانه وخلق القرآن، فهذا يدل على أن المسلمين بغانة كانوا يهتمون بانتمائهم إلى المعتقد الإسلامي، وبتأمله وبالتفكير فيه، وبدراسة كل ما يطرحه من قضايا مختلفة. فلم يكتفوا أبداً بتمثله وبعيشه ضمن أشكال بسيطة أو بدائية كما قد يتوهم ذلك، بل من المؤكد أنهم مثل غيرهم من بقية المسلمين، قد اندرجوا في المساهمة في الثقافة العامة التي يفترضها انتماؤهم هذا وتأتي رسالتنا لتعبر عن كل ذلك ولتؤكده، مثلما تؤكد بما لا يدع إلى أي شك - من ضمن ما تؤكده وتجليه ـ متانة الروابط الثقافية الفكرية التى جمعت بين شعوب الضفتين المذكورتين.
Eac
وقبل كل هذا وبعده فمحتويات رسالتنا ومضامينها تنم كذلك عن الكفاية العلمية لصاحبها ولمناظريه من الأشاعرة، وعن قدرتهم جميعاً على تناول مسائل علم الكلام على تعقيدها، وعلى ما تقتضيه من تكوين صلب في مختلف مجالات الثقافة الإسلامية من عقائد ومذاهب ومنطق ولغة وآداب وتفسير وغيرها. والواقع أن كل ذلك قد تجلى بوضوح في هذه الرسالة. فلقد قدمت لنا
المنصور يعقوب لمبايعة ولده، محمد فرأيته شيخاً بهي المنظر حسن المخبر فصيح العبارة باللغتين العربية و [الأمازيغية]، ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة ينكر عليه تعويق التجار قوله: نحن نتجاور بالإحسان، وإن تخالفنا في الأديان ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من بصدده، وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها، ومعين على التمكن من استيطانها ولو شئنا لاحتبسنا من التصرف فيما في جهتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله، والسلام. محمد التلمساني، نفع الطيب، ج 3، تح. إحسان عباس، بيروت،1988،105. (أشكر الزميل محمد بن الشريف الذي أثار انتباهي إلى هذه الرسالة.
المقري.
أحمد
هم
475
474