أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٨

نظرة في دراسة إيطالية

لوثيقة تمس العلاقات

بين الساحل والصحراء الكبرى

به نام بهت يا له لا تليقه ناله ميل بما قيلول ما يا ولية قيد بطلات سلامي خطال بنا الله شيخي

مي د. عبد الحميد الهرامة

في العددِ الأول لسنة 1932 من مجلة تريبو ليتانيا) مقال بالإيطالية للكاتب تُورُكُواتُو كُورِتي تحدث فيه عن شخصية معروفة في ليبيا باسم «أبو سعدية».

،

وهذه الشخصية ليست خياليةً، فقد اعتمد الكاتب على وثيقة مخطوطة (1) ألحقها بالمقال تقول إنه رجل من بلادِ السودان احتاج في وطنه للسفر إلى بر طرابلس ليعيش هو وزوجته وابنته

سعدية.

وفي الوثيقة ما يفيد أنهم فكروا في حرفة تضحك الناظرين ليتفكهوا بهم ويعطوهم بعض الدراهم أو الأكل، وهكذا بدأت مهمة هذا الرجل في طرابلس، وقد فكر في كل ما يجعل مهمته ناجحة ولم يفكر في أمن الطريق أو الاسترقاق له ولأفراد أسرته، وقد حلَّ بطرابلس شخصية محبوبة مكرمة دون أن يمسه أذى في حوالي منتصف القرن التاسع عشر، ثم صارت شخصيته موضع محاكاة فكان يعمل بهذه المهنة ثلاث شخصيات سنة.1932. ولكن الكاتب الذي رسم شخصيته في المجلة الإيطالية كان متأثراً بما يروجه جواسيس الاستكشاف عن تنامي ظاهرة الاسترقاق في طريق - السودان لتغطية الأنظار عن النقدِ العالمي للاسترقاق الغربي للأفارقة، ولتهيئة الرأي العام العالمي لاحتلال الطريق التي تمثلُ أهم طرق التواصل الاقتصادي في علاقات جنوب جنوب) كما يُرمز لها

الغربي

حالياً. يقول الكاتب بعد أن استعرض القصة ومهما يكن من أمر فلا يمكن التسليم بأن زنجياً غريباً

(1) هي من تأليف رجل يدعى سعد بن الشيباني.

،

مصحوباً بزوجته وابنته كان يستطيع الاضطلاع برحلة من «السودان إلى طرابلس في حقبة سابقة لمطلع هذا القرن وبدون أن يقع في شراك النخاسين أو سواهم من العشائر. لا لينج وأردف قائلاً: وقد لا يجوز التسليم حتى وإن قالت الحكاية إن أبا سعدية كان يدين بالإسلام من قبل أن يباشر رحلته .. وعليه ينبغي إدراج قصة نشأة صاحب هذه الشخصية في عداد الأساطير التي لا أساس لها من الصحة.

يقول ذلك، وهو يعترف بأن أكبر الطرابلسيين الذين شاهدهم يزعمون (هكذا) أنهم شاهدوا هذا الرجل في طفولتهم، وهو الذي استخلص أن نشأة هذا المهرج كانت في منتصف القرن التاسع

عشر.

إن هذا التشكيك في أمن الطريقِ السالك بين طرابلس وبلاد السودان يظهر في كثير من الدوريات والكتب الغربية التي كانت تمهد لقطع هذا الطريق التجاري المهم بدوافع إنسانية، فما جلية الأمر في هذا الطريق؟ إن قصة هذه الشخصية ليست سوى دليل واحدٍ من أدلة كثيرة تشيرُ إلى حميمية العلاقات السودانية الطرابلسية في السنوات الخوالي، فالحجاج السودانيون ما فتئوا يستخدمون طريقهم إلى مكة عبر جنوب ليبيا، بل إن منهم من استخدم البحر مروراً بميناء طرابلس، ولم نسمع خلال هذه الرحلات السنوية أن أحداً تعرض لهم بسوء، وسجلات القضاء ووثائق التاريخ خالية من الحوادث من

هذا القبيل.

(1)

عملاه

ثم إن الوثائق التجارية التي كانت تُحصي البضائع المستوردة مِنْ وإلى السودان الغربي في تجارة القوافل لم تكن تحتوي من الرقيقِ إلا على عددٍ يـ كان يباع في أسواق النخاسة في السودان نفسه. ديسير ولدينا نصوصٌ تُظهرُ عزوفَ التَّجار الليبيين عن تجارة الرقيق وتقولُ بالنص (لا خير في تجارتهم دنيا ولا أُخرى)، وقد كانت فتاوى العلماء بتحريم الرقيق المجلوب من السودان ذات تأثير في الإحساس بالجفوة من هذه التجارة لدى التجار الطرابلسيين والغدامسيين وقبل صدور الفرمانِ التركي بتحريرِ الرَّقيقِ نجد بعض التجار الغدامسيين يَنْهَى السودان الغربي عن الاتجار بالعبيد. إن أعداداً هائلة تبلغ عشرات الآلاف من المراسلات التجارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في المدن الليبية والسودانية تظهرُ عكس ما شاعَ في الكتابات الغربية عن تنامي ظاهرة الرقّ في تجارة القوافل، وهي تَنتَظِرُ أن يُنْفَضَ الغبار عنها لتصبحَ شواهد حيةً على حميمية العلاقات بين المتساكنين على جانبي الصحراء.

في

ولقد نشرت بحثاً عن هذه الوثائق بمجلة جامعة ساي عنوانه الوثائق المسافرة وألحقت بكتاب

(2)

(1) انظر مثلاً على ذلك في المعيار للونشرسي 238/ 9 وهو كتاب مشهور في شمال وجنوب الصحراء، وانظر معراج الصعود إلى نيل حكم مجلوب السود لأحمد بابا التنبكتي نسخة خ ع - 00

1940 - 100.

495

494