أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢والسيد محمد عبد الله حسن مجاهد مسلم ملتزم انبثق من صميم الشعب الصومالي المكافح. وكان بطلاً من أبطال الإسلام في شرق أفريقية. وذا شخصية عظيمة أثرت في تاريخ الصومال. كتب عنه الأروبيون بتفصيل ولقبوه بـ (محمد المجنون لأنه كافح الاستعمار كفاحاً مستميتاً معلناً كراهيته الشديدة للمستعمرين.
ولنستمع إلى قصة حياة الرجل من مواطن صومالي كتب عن تاريخ أفريقيا صفحات مشرقة هذا المواطن هو السيد عبد الله حسن محمد الذي اختار الإقامة بالمملكة العربية السعودية بعد أن أمضى حياته في وظائف تربوية متعددة بوزارة المعارف الصومالية. كتب هذا الرجل عن حياة المجاهد محمد الله عبد حسن ما يلي:
ولد السيد محمد عام 1856 م في الإقليم الشمالي من الجمهورية الصومالية. ونشأ نشأة دينية، إذ حفظ القرآن وهو ما يزال صبياً. ثم تتلمذ على رجال الدين وحضر مجالس العلماء حيث تعلم قدراً لا بأس به من العلوم الإسلامية والعربية. وفي عام 1882 م سافر إلى مكة المكرمة لطلب العلم وأداء فريضة الحج ومكث بها ثلاث سنوات تفقه فيها في العلوم الإسلامية والعربية. كما تعرف على المذاهب السياسية التي كانت تجتاح العالم الإسلامي لمواجهة الاستعمار الأوروبي المتفرق علمياً وعسكرياً والذي أخذ يحكم سيطرته الكاملة على شعوب أفريقيا وآسيا. وعاد السيد محمد إلى الوطن محملاً بتلك الأقدار سنة 1885 م. وعلى الفور فوجئ الشيخ محمد بأمرين غيرا مجرى حياته وتركا آثاراً عميقة على نفسيته: أولهما أن السلطات البريطانية التي كانت تحكم الجزء الشمالي من الصومال طالبته بدفع ضريبة الرأس المفروضة على كل مواطن واقشعر بدنه وأحس بمرارة شديدة معتبراً ذلك طعنة قوية في صميم قوميته وإنسانيته إذ كيف يتسنى له أن يدفع ضريبة (لغرباء عن أرضه)؟ وثانيهما: أنه لاحظ هناك بعثات تبشيرية (تنصيرية) كثيرة في الوطن وهي تحاول بكل السبل والوسائل نشر المسيحية في الصومال.
وذات يوم سأل السيد محمد مجموعة من الأطفال الصوماليين في مدرسة تبشيرية سألهم قائلاً: أنتم أولاد من يا أبنائي؟ فردوا عليه أولاد الأب ياغسنا يقصدون بذلك الراهب الذي يطلق عليه الأب في الديانة المسيحية، عندئذ فتح السيد محمد عينيه على فاجعة بلده وأيقن أن الكارثة محققة (لا وطن ولا دين ثم توصل إلى حقيقة أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن والدين فقام في المدن في أول الأمر داعياً إلى الدفاع عن الوطن والدين ومبصراً الناس بالخطر الداهم عليهم.
(1) أضع هنا نموذجاً لحالتين اثنتين الأولى: أن مؤسسة البابطين أصدرت سنة 1995 معجماً للشعراء العرب المعاصرين غابت عنه الصومال رغم أنه يقع في ستة أجزاء.
الثانية: أن طالبة تهيء أطروحتها للسلك الثالث جاءتني إلى المكتبة (مكتبة عبد الله كنون بطنجة) تسألني عن ثلاثة شخصيات أفريقية نكروما - سنغور - مانديلا - فلم أجد مرجعاً عربياً يشفي الغليل ولكني وجدت لها في موسوعة (أفريقيا)
باللغة الفرنسية.
ولما لم يجده الجدل الديني والمناقشات المنطقية قرر الانتقال إلى البادية للقيام بالعمل الحربي فكوّن أول جيش من الدراويش سنة 1899 م. وفي نفس هذا العام أدرك الإنكليز خطورة هذا الرجل فكراً وعملاً وأرسلوا إليه حملة عسكرية لإطفاء شعلة الحرية والإيمان التي يحملها السيد محمد. والتقى الجيشان في معركة دموية انتهت بهزيمة القوات الإنكليزية واستيلاء الدراويش على أسلحتها غير أن الرصاصة التي أطلقت في عاماً. السنة (يعني (1899 م) استمرت واحداً وعشرين حالته شان را تسلة التولا ويذكر صاحب الكتاب المشار إليه نصاً تحت عنوان: خصائص حروب السيد محمد
عبد الله ما يلي:
تلك
لم تكن حروب السيد محمد على نمط حرب العصابات ولم تكن محصورة في إقليم بذاته من الوطن بل كانت حروباً عامة شملت كل أنحاء الصومال فكراً وعملاً كما ارتد لهيبها إلى بقية أقطار شرق أفريقيا وذلك لأن السيد محمد ما أن أعلنها حرباً مقدسة دينية ووطنية ضارية حتى التف حوله مئات الآلاف من الصوماليين المقاتلين الشجعان مما مكنه من خوض معارك في ثلاث جبهات متباعدة ثلاث قوات مختلفة الجنسية أي مع الإنكليز في مع ومع الحبشة في الغرب وإيطاليا في الجنوب وقد بلغ السيد محمد من القوة والتنظيم إلى حد أنه استطاع أن يصمد في الجبهات الثلاث إحدى وعشرين عاماً ينتصر على تلك الجيوش الثلاثة في معظم المواقع الحربية مبيداً فيها جنوداً وقادة
الشمال
من جيش بريطانيا. ثم أيقن الإنكليز أن الانتصار على الدراويش في حرب برية أمر محال، فلجأوا إلى سلاحهم الجوي الذي ظل يقصف مراكز جيش التحرير الصومالي حتى دمر فيها كل نفس ونفيس وكان ذلك نهاية مؤسفة لجيش المجاهد البطل السيد محمد عبد الله سنة 1921. والتاريخ يذكر أن الصومال كانت أول بلد أفريقي يستخدم ضده سلاح الطيران لإخضاعه. ومات البطل المجاهد شهيداً وبقي أثره حياً في ضمير الصوماليين الأحرار. ولو سألت شخصاً صومالياً عن فلاسفة الصومال وشعرائها وحكمائها ودعاة استقلالها لقال لك وبلا أدنى تردد إنه السيد محمد عبد الله لأنه يأتي في المقدمة في تلك الميادين كلها وله الصدارة في كل هذه الصفات في نظر الصوماليين ذلك لأنه إلى جانب دفاعه المشرّف عن الوطن والدين ترك تراثاً ثقافياً عظيم الأثر والتأثير على الصوماليين وملاحم شعرية قيمة تعد حتى الآن مثل الصومال العليا في الدينيات والوطنيات والأخلاقيات.
وإذا كان تاريخ كل أمة عبارة عن حلقات متصلة من الكفاح كل حلقة منها ناتجة عن التي قبلها ومؤدية بالضرورة إلى التي بعدها إذا كان هذا صحيحاً، فإن الصوماليين يرون أن حركة المطالبة بالاستقلال التي نشأت في الصومال عام 1943 م إنما هي نتيجة لحركة السيد محمد عبد الله أي ترتبت عليها واستمدت منها مبادئها وقوتها الروحية والفكرية.
5032
502