أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦التعريف بصاحب الرسالة:
(1) '
ولله بن ركلة الكاتبية عقيماً عمك
فذاع
لا نريد أن ندخل في تفصيل الكلام عن حياة هذه الشخصية الفذة، وحسبنا أن نقف عند السمات العلمية البارزة في حياته (1)، فقد أطبقت شهرته الآفاق ونال من أقلام المؤرخين والمفكرين والباحثين والفقهاء ما ناله من مدح وتنويه وتعظيم وثناء ويكفي الذكر بأنه لما أفرج عنه بمراكش وانصرف إلى التدريس تقاطر عليه طلاب العلم من كل حدب وصوب للإقراء عليه والأخذ عنه، صيته واشتهر بين الناس. وقد ذكر البرتلي في فتح الشكور فقرات طويلة على لسانه تدل على ذلك، جاء فيها: «ولما خرجنا من المحنة طلبوا مني الإقراء، فجلست بجامع الشرفاء بمراكش، أقرئ مختصر خليل قراءة بحث وتحقيق ونقل وتوجيه … وازدحم علي الخلق وأعيان طلبتها ولازموني، بل قرأ علي قضاتها … وأفتيت فيها لفظاً وكتباً بحيث لا توجه الفتوى فيها غالباً إلا إلي. اسمي في البلاد من سوس الأقصى إلى بجاية الجزائر وغيرها» (2).
واشتهر
وقال عنه المؤرخ عبد الرحمن السعدي وهو يتحدث عن علماء تمبكتو وفيهم الفقيه العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره البارع في كل فن من فنون العلم أبو العباس أحمد بابا. . . فجد واجتهد في بداية أمره بخدمة العلم حتى برع على جميع معاصريه وفاق عليهم جداً، ولا يناظره في العلم إلا أشياخه، وشهدوا له بالعلم. وفي المغرب اشتهر أمره وانتشر ذكره وسلم له علماء الأمصار في الفتوى، وكانت وقافاً عند الحق. .» (3). بن أحمد بن أحمد
ولد أبو العباس أحمد
بن عمر محمد آقيت الصنهاجي المسوفي. الماسني، التكروري، السوداني، التمبكتي في 21 ذي الحجة عام 963 هـ الموافق 26 أكتوبر 1556 م بقرية أروان الواقعة على بعد نحو عشرة أيام من تمبكتو على طريق القوافل الذي يربطها بتوات. وقد غلبت نسبة التمبكتي عليه وكانت أكثر النسب استعمالاً. وفي ذلك إشارة إلى موطنه الأساسي الذي نشأ فيه وترعرع وأخذ من معين علمائه حتى استوى وعلا كعبه.
6
أسست تمبكتو على عهد المرابطين وصارت في القرن السادس عشر مدينة تجارية كبرى ومركز إشعاع علمي مزدهر، وبلغت شأواً عظيماً، وحظيت بسمعة كبيرة في العالم الإسلامي مثل ما حظيت به فاس والقاهرة والقيروان. وأصبحت قبلة لأهل العلم من الطلبة والعلماء، يتوافدون عليها من مراكش والجهات الأخرى. ويذكر المؤرخ السعدي أن تمبكتو «ما أتتها العمارة إلا من
المغرب (4)
(1) انظر في تفاصيل حياته الأطروحة التي قدمها الأستاذ محمود زبير بفرنسا بعنوان،
ص
178:
- Ahmad Baba de Tombouctou (1556 - 1627) Paris 1977.
(2) فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور ص 34 - 35 - وانظر: نشر المثاني 1/ 273 - الإعلام للمراكشي 2/ 305 - مؤرخو الشرفاء. (3) تاريخ السودان: عبد الرحمن السعدي - ص: 35. (4) ن. أ.
21 - وانظر بتفصيل 1899 Durbois. F. Toumboctou la mysterieuse - Paris - ص: ية المقلاة مقال
وفي بيئة تمبكتو العلمية نهل العلوم وأصناف المعارف الإسلامية من تفسير وحديث وفقه، يساعده في ذلك ما كانت عليه أسرته آل آقيت من نفوذ وجاه وعلم ومركز وظيفي. ويعتبر الشيخ محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري الشهير بـ (بَغْيُع» أبرز شيوخه وأكثرهم فضلاً عليه، ولم ينتفع بأحد مثل انتفاعه به وبكتبه. لازمه أكثر من عشر سنوات، قرأ فيها عليه نحواً من خمسة وعشرين كتاباً (1). وقد تحصلت للشيخ أحمد بابا معرفة علمية واسعة بما أخذه من العلماء وبما استفاد من المكتبات الغنية التي تزدان بها دور العلماء من أسرة محمد آقيت (2)، أهلته ليتصدر حلقات التدريس، ويصبح فقيهاً مالكياً بارعاً. وشاءت الأقدار الإلهية أن يغادر أحمد بابا بلدته تمبكتو متوجهاً إلى المغرب في عهد المنصور السعدي على الوجه الذي أراده الله في الأزل وقضاه كما يحدثنا هو بذلك (3). فظل في مراكش. عاصمة السعديين - مدة أربعة عشر عاماً إلى أن رجع إلى بلدته عام 1014 هـ/ 1605 م - ومهما قيل في شأن اعتقاله الجبري بمراكش ومعاناته من ذلك، فإن الأمر الذي تجدر الإشارة إليه والتنويه به هو أن وجود الفقيه أحمد بابا في مراكش كان خيراً ونعمة وبركة على أهلها وعلى المغرب قاطبة، وبل وعلى نفسه أيضاً. فقد استفاد طلبة العلم وشيوخهم من دروسه التي كان يلقيها بجامع الشرفاء، وانتفع به عامة الناس في الحضرة المراكشية، وجلس إليه العلماء للمذاكرة والتحصيل (1) نيل الابتهاج 602 ترجمة رقم: 7036. (2) ذكر تلميذه أحمد البوسعيدي في بذل المناصحة أنه سمعه يقول: أنا أقل عشيرتي كتباً، وقد نهب لي ست عشرة مائة مجلد الاستقصا 130/ 5 ويظهر من بعض الإشارات الواردة في نيل الابتهاج أن جزءاً كبيراً من هذه الكتب أرجع إليه. وراجع الإعلام للمراكشي 2/ 302 - 307
(4) 6 -
(3) تذكر المصادر أن ممثل السعديين الباشا محمود زرقون قبض عليه وجماعة من آل آقيت ونفوا إلى مراكش مصفدين في الحديد ومعهم حريمهم وانتهبت ذخائرهم وكتبهم. وكان ذلك في 25 جمادى الثانية 1002 هـ / 18 مارس 1594 م. فظل أحمد بابا في اعتقال تحفظي حتى أطلق سلاحه هو ومن معه في 21 رمضان 1004 هـ / 19 مايو 1596 م. انظر: الصفوة ص 52 53 رقم: 43 والاستقصا 130/ 5 - خلال جزولة 80/ 3 - 81 النزهة 97 الأعلام للمراكشي السابق. وللتوسع في معرفة أسباب الحملة التي قام بها المنصور السعدي إلى السودان ومراحلها يرجع! نع إلى بحثين مهمين لدولا فوس
(Delafosse.M) نشرا بمجلة هسپريس
- La conquete de Soudan -Hesp- 1923 - P.488.
-Les relations du Marec avec le Soudan - Hesp. 1924 - P:153.
(4) يرجع الفضل في إطلاق سراح الفقيه أحمد بابا إلى ابن المنصور زيدان. فبعد وفاة والده أذن له في الرجوع إلى بلاده عام 1014 هـ. ويذكر المهدي الفاسي أن السلطان زيدان ندم على ذلك لشدة تعلق أهل مراكش به فأرسل في عودته ولكنه
أبى. وكان متشوقاً إلى رؤية بلده ويسكب العبرات عند ذكرها. وقال في ذلك شعراً على طريقة الفقهاء منه: أيا قاصداً كاغوا عرج نحو بلدتي وزمزم لهم باسمي وبلغ أحبتي سلاماً عطيراً من غريب وشائق إلى وطن الأحباب رهطي وجيرتي انظر النزهة 98 - والاستقصا 131.
511
510