أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨عليه من وضع الفلاس وهم الشيوخ أو الضمان الذين كانوا يطبقون بعض القوانين المسطرة في ألواحهم على من ارتكب ما يخالفها بأخذ غرامة مالية على جنايته، أو هدم داره، أو ذبح بقرته يأكلونها، ردعاً له ولأضرابه، وإن المتهم عندهم يعطي خمسين يميناً. وما يأخذونه من الغرامات المالية يسمونه: الإنصاف يأخذونه من المتهم حسب نوع الجناية ومقدارها. وهذه القوانين كلها مخالفة للشرع، لجأوا إليها للحفاظ على الأمن ومصالح البلاد. وقد استدعى السؤال البحث عن الحكم الشرعي لهذه القوانين.
وقد خاطب الشيخ أبو زكريا بالسؤال فقهاء الحضرة المراكشية في ذلك الوقت. وكان من بين الفقهاء الذين أجابوا عن السؤال الشيخ أحمد بابا التمبكتي (1). ومما جاء في الجواب: الجواب: «أما قولكم: يجتمعون عن آخرهم إلى قولكم الشيوخ والضمان … فاعلم أن الموضع الذي لا سلطان فيه أولاً يلحقه حكم السلطان، إن اجتمع جماعة المسلمين فيه على إقامة أحكام الشرع على الوجه المشروع، فإن حكمهم يقوم مقام السلطان والقاضي، ويجب عليهم السعي في الدخول تحت حكم السلطان، إذ لا يجوز البقاء فوضى للأحاديث الكثيرة. . (2).
يظهر من هذا كيف كان الفقيه أحمد بابا متفاعلاً مع البيئة المغربية وظروفها السياسية وأحوالها الاجتماعية، مندمجاً فيها بوعيه وثاقب فكره مشاركاً بثقافته وعلمه لا يختلف في ذلك على فقهاء وقته بالمغرب الذين كانت تربطهم به وشائج المحبة والتقدير والإجلال وقد ظل كذلك إلى أن أذنت
=
العلم ونشره في زاوية تافلالت وقد استنصر السلطان السعدي زيدان ضد حركة أبي محلي نزهة الحادي 208 وما بعدها - الاستقصا 60/ 6 الأعلام للمراكشي /10/ 222 وما بعدها - المعسول 84/ 19 وما بعدها.
(1) أجاب عن السؤال خمسة من فقهاء الوقت وهم أحمد بابا التمبكتي - عبد الواحد بن أحمد الركراكي - ومحمد بن عمر الهشتوكي - وعيسى بن عبد الرحمن السكتاني - وإبراهيم بن يونس.
(2) اطلعت على نص السؤال وأجوبته في مصادر النوازل والأجوبة الفقهية التالية:
1 - نسخة مستقلة بالخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم: 5813 بخط الناسخ عبد الله بن سعيد الهوزالي، فرغ منها سنة 1233 هـ، وعنونت باسم .. أجوبة في شأن القوانين العرفية لأحمد بابا التمبكتي.
2 - ضمن الأجوبة الفقهية لأبي مهدي عيسى السكتاني - مخطوط بالخزانة الحسنية رقم: 6337 من 26/ أ إلى 32/ أ ـ ب
3 - ضمن نوازل ابن عبد السميح أو فتاوي علماء جزولة لأبي العباس أحمد بن يعزي بن عبد السميح التغاتيني (ت 1080 هـ) - مخطوط بالخزانة العامة بالرباط: رقم: ق 725 من ص: 239 إلى 246.
4 - ضمن كتاب المنهل العذب السلسبيل، شرح نظم أبي زيد الجشتيمي - لمحمد بن أبي بكر الشابي الأزاريفي - مطبعة النجاح - الدار البيضاء - 1400 هـ / 1980 م - 2/ 251 - 257 بهمن (ملاكات)
وتوجد هذه الأجوبة ضمن مجموع بالخزانة الناصرية بتمكروت تحت رقم 1644 بعنوان: أجوبة في مسائل النفاليس لعبد الواحد الركراكي. وأشير إلى أن الأستاذ صدقي علي أزايكو قام بتحقيق هذه الأجوبة والتعليق عليها معتمداً على ثلاث نسخ: الأولى والثانية المشار إليهما أعلاه - ونسخة أخرى عثر عليها في أيمينتانوت. وقد نشرها ضمن أبحاث اللقاء العلمي حول موضوع التاريخ وأدب النوازل الذي نظمته الجمعية المغربية للبحث التاريخي بتعاون مع شعبة التاريخ بكلية الآداب بالرباط تكريماً للأستاذ المرحوم محمد زنيبر يومي 17/ 16 دجنبر 1989 - انظر: التاريخ وأدب النوازل - منشورات كلية الآداب بالرابط - ص: 135 - 185 وراجع في هذا الموضوع كذلك: أطروحة الأستاذ الحسن العبادي فقه النوازل بسوس» 2/ 459 - 467
ساعة الرحيل بالفراق فعاد إلى تمبوكتو (1) واستقر بها منصرفاً إلى التدريس والتأليف حتى توفاه الله في ضحوة الخميس، شعبان 1036 هـ / 22 أبريل 1627 م. موضوع الرسالة
أشد
سبقت الإشارة إلى أن الرسالة جاءت جواباً على سؤال وجهه الشيخ قدورة من مدينة توات إلى فقهاء السودان، ومنهم أحمد بابا على الخصوص، ويتعلق بقضية العبيد المجلوبين من البلاد السودانية التي تقرر إسلام أهلها كبلاد برنو وعفنو وكانوا وجاغوا وكاشنه وغيرها من البلدان التي استفاض إسلامهم هل من وجه شرعي يسوغ لملكهم والتصرف فيهم بالبيع والشراء. إن هذه المسألة تدخل عموماً في موضوع الرق وتجارة الرقيق في أفريقيا وهو موضوع من الموضوعات حساسية وأكثرها مدعاة لاختلاف الرأي في التاريخ الأفريقي (2). ولا أريد أن أدخل في مناقشة هذا الموضوع، فقد كتب فيها الباحثون الأجانب والعرب بإسهاب كما لا أريد أن تحظى هذه القضية بالاهتمام في هذه المداخلة العلمية المتواضعة، لأنها محكومة بظروفها التاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإنما الذي نود أن نشير إليه بعجالة هو أن ما روجته المصادر الأجنبية وثقافتها التوسعية الحاقدة التي تجعل من الرق موضوعاً ملتصقاً بالإسلام ومرتبطاً بتشريعه، وأن تجارة الرق وتملكهم من أوضاع العرب الخاصة بهم دون سواهم لا يقوم على أساس موضوعي في العلم والتاريخ، بل إن هذه المصادر تتجاهل طبيعة النصوص التشريعية في الإسلام ومقاصدها السامية، بل وتجهل أو تتجاهل المسالك التي وضعها الإسلام للقضاء على ظاهرة، الرق وتسعى أن تحدث شرخاً في العلاقات العربية الأفريقية، وذلك بالتركيز على أن الصلات الطويلة بين العرب والأفارقة لم تكن متماثلة، بمعنى أن العرب اخترقوا القارة الأفريقية لاستعباد سكانها وفرض دينهم وثقافتهم على أهلها (3). إن نظرة سريعة إلى تاريخ الأمم والدول تبين لنا أن الرق كان وضعاً اجتماعياً قائماً منذ القدم، وأن تجارة الرقيق والنخاسة كانت من أهم موارد الثروة وجزءاً من النظام الاقتصادي، وعنصراً من عناصر الإنتاج. ولما ظهر الإسلام كان الرق متركزاً في البلاد العربية، فلم يكن من الحكمة القضاء عليه مرة واحدة لأسباب تمليها ضرورات الحياة الاجتماعية والظروف الاقتصادية، ولكنه تعامل معه بالتدريج، فهياً له من المنافذ التشريعية والمسالك القانونية التي ضيقت من روافده وألغت موارده
(1) ومن طريف ما يذكره الأفراني أنه لما خرج من مراكش يقصد بلده شيعه أعيان الطلبة فأخذ بعضهم بيده عند الوداع وقرأ قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) على ما جرت به العادة من قراءتها عند وداع المسافر وطلب سالماً. رجوعه فنزع أبو العباس يده بسرعة وقال: «لا ردني الله إلى هذا المعاد ولا رجعني لهذه البلاد وسلم عليهم وذهب. نزهة الحادي 98 - والاستقصا 5/ 131. (2) الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية: جمال زكريا قاسم ص: 193.
(3) نفسه
اول (2)
515
514