أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

شيئاً فشيئاً، وفتح للأرقاء أبواب الحرية ووسع من أسباب العتق ما يكفي للقضاء عليه ومنها: الإقرار بلفظ العتق صراحة من السيد أو أن يجرى على لسانه ما يفيد التدبير، وهو الوصية بتحرير العبد بعد موته والتسري بالجواري بدون عقد كطريق الحريتهن ومكاتبة السيد عبده على مال والإجابة إلى ذلك إذا طلبها العبد، وعتق الرقبة في حالة الاعتداء، أو القتل الخطأ أو الحنث في اليمين، أو الإفطار في رمضان، متعمداً، كطريق من طرق التكفير عن الذنب وحبب الإسلام إلى الناس تحرير الرقيق ورغب فيه وجعله أكبر قربة يتقرب بها العبد إلى ربه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار. بل أنه خصص سهماً من مال الزكاة لشراء العبيد وتحريرهم ومساعدة من يحتاج منهم إلى المساعدة في سبيل تحريره فقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ .. )) [التوبة: 60]. وبعد هذا، فإنه من الخطأ الفادح، والجريمة النكراء الإدعاء بأن الإسلام كان سبباً في تغذية تجارة الرقيق في القارة الأفريقية (2).

وتذكر المصادر أن جلب الرقيق إلى المغرب كان يجري ضمن العمل التجاري العادي، وأن هذه التجارة لم تتأثر بالتوسع الكبير في صيد رجال القبائل وإرسالهم عبر البحار كما كان يفعله النخاسون الأوروبيون (3). وقد رافقت هذه التجارة المحدودة هجرة جماعية اختيارية لبعض الزنوج الذين توجهوا إلى واحات وقرى سوس طلباً للعلم، ولم تدخل هذه الجماعات في نطاق الاسترقاق الذي كان يواجه كثيراً من النقد من طرف العلماء في العهد السعدي

(4)

ولم يخرج الاسترقاق الذي عرضه السودان الغربي عن نطاق التجارة العادية والمحدودة، وكان العبيد يعاملون معاملة حسنة بالمغرب ويعتبرون خداماً للسلطان وتحت حمايته فلم يكن يسمح باستعمال العنف في معاملتهم، وغالباً ما كانوا يتحررون بموجب أحد الأوجه التي كان يقرها الشرع

الإسلامي

(5)

لقد شغلت ظاهرة الاسترقاق بال الفقهاء وأخذت حيزاً من اهتمامهم وتفكيرهم. خاصة في العهد السعدي الذي عرف قدوم عدد كبير من السود. وقد أصبحوا يشكلون إحدى فرق الجيش في (1) انظر بتفصيل في هذا الموضوع رسالة الدكتور علي عبد الواحد وافي بالفرنسية الامل

1968

- Contribution à une théorie sociologique de l'Esclavage. - Paris - 1931.

وكتابه: الحرية في الإسلام - دار المعارف - مصر (2) راجع الفصل الخامس من كتاب الدكتور جمال زكريا، قاسم السابق في مسألة الرق وتجارة الرقيق في أفريقيا ص: 191 - 213 وبحث إبراهيم حركات السابق: 325 - 353

(3) نفس المصدر ص: 205 وما بعدها.

(4) يذكر المختار السوسي قرية أكرض بسوس كان سكانها كلهم سود تبدو على المسنين منهم آثار الخير. فهم ذوو دين وملازمة للصف في المساجد خلال جزولة 15/ 3 ويتحدث في المعسول عن تجارة العبيد التي زاولها بعض الفقهاء، كان من نتائجها ازدياد الوشائج الدموية بين الشمال الجنوب. المعسول 16/ 6 - 162. 18/ 160 - 165. (5) راجع بداية الحكم المغربي في السودان الغربي للدكتور محمد الغربي - ص 606 وما بعدها.

العهد الإسماعيلي، وينالون أحسن المراكز السياسية والعسكرية (1). ولم يسعفنا البحث في التعرف

غصب

على الفتاوى الفقهية المتعلقة بهذا الموضوع في العهد السعدي، إذا استثنيا فتوى الشيخ عبد القادر الفاسي (ت 1091 هـ) التي أوردها العلمي في نوازله ونصها: سئل رحمه الله ونفعنا به عن إنسان أسود على أنه عبد، وهو في بلد تقام فيه الجمعة. . . فأجاب: إن هذا الإنسان لا يطلق عليه وبيع أنه مملوك، إذ تملكه بالغصب والظلم لا يخرجه عن حكم الحرية ولا يصير رقيقاً، بل غايته أنه مظلوم مقهور في حكم المملوك، وذلك غير معتبر شرعاً إذ هو في نفس الأمر حرّ، ولا سبيل لتمليك الحر المسلم، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسناً. . . (2). كما لا يمكن المجازفة بالقول: إن رسالة أحمد بابا هي الوحيدة التي اهتمت بهذا الموضوع في العصر السعدي، وذلك في غياب المعلومات المتعلقة بالرسائل والأجوبة الفقهية التي دونت في ذلك العصر. غير أنه قد يكون من المؤكد أن رسالة أحمد بابا هي الأولى من نوعها التي تطرقت إلى حكم العبيد المجلوبين من السودان. تحدي المال

بات

وفي العهد العلوي، وخاصة في عهد المولى إسماعيل، برزت على مسرح الأحداث السياسية

أحمد

ألف

مسألة «الحراطين والبحث عن العبيد في القبائل وتمليكهم وإدماجهم ضمن جيش واحد عرف باسم «جيش البخاري» (3). وقد تصدى العلماء لهذه المسألة بالاستنكار والرفض، وواجهوا من أجل ذلك بردلة (ت 1133 هـ) الذي الشدائد والصعاب، خاصة الشيخ محمد العربي بن ذلك في رسالة سماها: «إفشاء القواعد المذهبية والأقوال المرضية في إبطال النحلة العليلشية التي أشاعها (3) النحلة ال الملحد في الأقطار المغربية» (4). وعبد السلام بن حمدون جسوس (5). ومما جاء في جواب الفقيه بردلة: … تعين على كل من له ملابسة بالعلم إنهاء هذا الخطب النازل الوقتي الذي هو المجاهدة باستعباد الأحرار واسترقاقهم بدون وجه شرعي وتقرير هيأته الواقعة وكشف الوجه الذي يتخيل عليه وما يرتكب في ذلك من المحظورات الموبقات .. وهؤلاء المطالبون بالاسترقاق الآن حيث كانت حريتهم معلومة، فإقرارهم بالرق ولو كان عن طوع وجواز مع انتفاء ما ذكر من التهمة، فهو لغو، لا يسلمون شرعاً للرق بهذا الإقرار، ولا ندعهم، وإياها ولا يلزمون به، لأن حريتهم حق من

(1) نفسه.

(2) نوازل العلمي 2/ 126

،

(3) للمزيد من الاطلاع على هذه القضية في علماء فاس والمولى إسماعيل ومشكلة الحراطين عزيز عبد الله مطران - ترجمة عن الإنجليزية عبد الله بن الأمين ومحمد المهناوي. مجلة أبحاث عدد 26 - ربيع 1991 - ص: 71 - 83 والتنظيم العسكري وعلاقته بالمجتمع في العصر الإسماعيلي الترقي الاجتماعي للحراطين نموذجان محمد المهناوي - منشورات مركز البحوث والدراسات العلوية - الريصاني - 1991 حركة الأدب في المغرب د. عبد الله الترغي 32/ 1 - 41

:

(4) توجد من. هذه الرسالة: نسخ. متعددة بالخزانات المغربية. ويرجع تاريخها إلى متم ربيع الأول 1120 هـ / 1708 م. وقد وقعها

معه بالعطف كل من: محمد بن أحمد بن الحاج، ومحمد بن أحمد ميارة، الحفيد وعبد السلام بن حمدون جسوس. وقد أوردها كاملة أبو العباس أحمد بن الحاج في كتابه الدر المنتخب المستحسن، الجزء السابع ص: 189 - 205 مخطوط بالخزانة الحسنية - رقم: 12184 - وكذلك العلمي في نوازله 277/ 3 - 285. وانظر في ظروف جمع الحراطي وأسبابه

ودواوينه الدر المنتخب 1086 - 116 - 7/ 184 - 188.

(5) انظر قصته مع السلطان مولى إسماعيل في الدر المنتخب 7/ 205 - 215

51749

516