أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠حقوق الله تعالى فليس لهم إرقاق نفسهم … فلينظر ما أفضت إليه هذه البدعة التي لم تقع في غير هذا القطر المغربي من سائر الأقطار، ولم يبتل بها أهل عصر مما سلف من الأعصار. . . فقد ضاقت نفس العامة والخاصة بها ذرعاً وما استطاعوا لها نظراً ولا سمعاً لجمعها بين المصيبة في الدين والدنيا. . (1)
وقد تصاعد استنكار هذه الظاهرة إلى السلطة الحاكمة، فيقرر السلطان الحسن الأول في رسالته القرنية التي أذاعها عام 1300 هـ / 1883 أن من المنكر الذي لا يسع التغافل عنه والتساهل في أمره: هذا الخطب النارل الوقتي الذي هو المجاهرة باستعباد الأحرار، واسترقاقهم بدون وجه شرعي. . (2).
هي
أن
وهناك رسالة في الموضوع كتبها الفقيه جعفر بن إدريس الكتاني (ت 1323 هـ)، وفيها يقرر الأمة التي يصح تملكها شرعاً. المسبية من بلاد الكفر (3). وقيد أحمد بن خالد الناصري فصلاً ختم به حديثه عن نكبة أحمد بابا التمبكتي ذهب فيه إلى استنكار هذه الظاهرة الشنيعة وحسم مادة فسادها. ومما جاء فيه: قد تبين لك بما قصصناه عليك من أخبار السودان ما كان عليه أهل تلك البلاد من الأخذ بالإسلام من لدن، قديم، وأنهم من أحسن الأمم إسلاماً، وأقومهم ديناً، وأكثرهم للعلم وأهله تحصيلاً ومحبة وهذا الأمر شائع في جل ممالكهم
الموالية للمغرب كما علمت. . .
باله
إذ أهل السودان قوم مسلمون فلهم ما لنا وعليهم ما علينا .. فنسأله سبحانه أن يوفق من ولاه أمر العباد، لحسم مادة هذا الفساد فإن سبب الاسترقاق الشرعي الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح مفقود اليوم وهو السبي الناشيء عن الجهاد المقصود به إعلاء كلمة الله تعالى، وسوق الناس إلى دينه الذي اصطفاه لعباده هذا هو ديننا الذي شرعه لنا نبينا، وخلافه خلاف الدين، وغيره غير المشروع والتوفيق إنما هو بيد الله. .» (4).
(6)
23
وألف في الموضوع كذلك أحد علماء غانة رسالة سماها تنبيه أهل الطغيان على حرية السودان (5)، وصاحبها هو: محمد بن إبراهيم الجارمي الغاني) قال في مقدمتها: إني لما رأيت تحامل كثير من الناس على السودان وتجاسرهم عليهم من غير (1) نوازل العلمي /3/ 282 - 289 والدر المنتخب 7/ 198 - 204.
(2) انظر: إتحاف أعلام الناس لابن زيدان /2/ 229 - ويلاحظ أنها نفس العبارات التي جاءت في جواب القاضي بردلة. (3) أشار إلى هذه الرسالة ضمن تأليفه التي سردها آخر فهرسته وهي من الرسائل المفقودة راجع: المصادر العربية .. للمنوني - 2/ 142 - رقم: (4) الاستقصا 5/ 131 - 134.
28
1063:
(5) وقفت على الرسالة مخطوطة بخزانة العلامة المرحوم عبد الله كنون تحت رقم 10443 وقد طبعت بالمطبعة الأهلية م بالرباط عام 1946 في،، أما النص المخطوط فيقع في 22 صفحة من الحجم الصغير كتب بخط مغربي مقروء ولم يذكر تاريخ النسخ. وكان الفراغ من تأليفها أواسط شعبان عام 1353 هـ.
(6) لم نتمكن من التعرف عليه.
ص
:
بهم
صداقة
عالي
موجب وما يدعون من رقيتهم وعدم إسلامهم حملتني الغيرة على أن أنبه على ذلك في رسالة، ليكون على بال من له أدنى اهتمام بدينه .. وقد اعتمد الجارمي في تأليف هذه الرسالة على ما ذكره الناصري في تقييده المشار إليه سابقاً، ويبدو أنه لم يكن يعرف رسالة أحمد بابا إلا من خلال الاستقصا. كما استند إلى أقوال بعض العلماء المغاربة الذين جالسهم وكانت تربطه ومودة. ويدل عليه ما جاء في هذه الفقرة قال: فهل استرقاقهم إلا ظلم وخروج عن سنن الهدى. ويؤيد ما ذكرناه قول بعض من لاقيناه بالدار البيضاء وهو الشيخ الفاضل القاضي أبو عبد الله سيدي محمد بن المفضل الحريزي .. أجاب في المسألة: أن لا عبد اليوم ولا أمة، وما يقع من ذلك في أيد الناس مخالف للشرع» (1). أبعاد التواصل الحضاري من خلال الرسالة تتضمن رسالة أحمد بابا التمبكتي، بغض النظر عن الفكرة الأساسية التي قامت عليها، إشارات تاريخية، وتنبيهات موضوعية يستخلص منها الباحث مدى التواصل والرباط القائم بين المغرب وبلاد السودان منذ عهد قديم بأبعاده المختلفة الدينية والمذهبية والثقافية وسأحاول أن أحدد مظاهر هذه الأبعاد انطلاقاً من الفقرات التي وقفت عليها في الرسالة. 1 - البعد الديني: ويبدو واضحاً من خلال الفقرات التي أتى بها الفقيه أحمد بابا للدلالة على أن أهل السودان مسلمون لا تجوز تملكهم بحال أسلموا قديماً منذ القرن الخامس الهجري، ويؤكد على الدور الذي قام بها الملثمون المرابطون في نشر الإسلام وإخضاع أهل أفريقيا له. وذكر من بين هذه البلدان المسلمة: كانوا، وكشنة، وبرنو، ومالي، وسنغي، والفلان (2) إن موضوع انتشار الإسلام في البلدان الأفريقية ينبغي أن يحتل مكاناً رئيسياً في التاريخ الأفريقي وتاريخ الشعوب الإسلامية في العصر الحديث لأسباب عديدة من بينها ارتباط العالم العربي بالقارة الأفريقية في عصور مختلفة من التاريخ وامتزاج الحضارة العربية الإسلامية بالحضارات المتعددة للشعوب الأفريقية، وسرعة الاندماج بين شعوبهما وتاريخهما الحافل مما جعل العالم العربي والأفريقي أقرب إلى التضامن والتوحد والتداخل الحضاري تحت راية الإسلام، ومع ذلك فإن إبراز طبيعة العلاقات العربية الأفريقية لا تزال تكتنفها صعوبات في مقدمتها فقدان الكثير من المصادر والسجلات العربية، وغلبة المصادر الأجنبية التي كان قصدها التشويه المتعمد لتاريخ العرب والإسلام في أفريقيا (3). يقول الدكتور جمال قاسم: وليس من شك في أن تاريخ العرب في أفريقيا يعد من الصفحات المجيدة في التاريخ الأفريقي، نرجو أن تتاح الظروف للدارسين العرب لاقتفاء (1) تنبيه أهل الطغيان ص: 5. (2) حول إسلام هذه البلدان راجع: الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا للدكتور حسن أحمد حمود ص: 220 - 226 - 233 -
247
،
،
(3) الأصول التاريخية. . ص 11 - وما بعدها - وراجع الأصل الأول من الكتاب حول أفريقيا في المصنفات العربية - 23 - 57 واسكيا الحاج محمد وإحياء دولة سنغاي لفاي منصور علي ص: 52.
519
518