أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

آثاره قبل أن تضيع المدونات العربية أو يقتصر الدارسون على المصادر الأوروبية وحدها، فإن معظم هذه المصادر كتبت بالنظرة الأوروبية، وكان صعباً عليها أن ترى حسنة من حسنات العرب» (1). وتردد المصادر الأوروبية أن من العوامل المهمة لإبداء الحماس الكبير للإسلام من قبل البلدان الأفريقية كان العامل التجاري الذي شكل مورداً هاماً في النشاط الاقتصادي لهذه البلدان. ويظهر أن الاعتبارات الاقتصادية والعلاقات التجارية مهما كثرت لا تكفي فهناك عامل أساسي، وهو العقيدة التال الإسلامية وسماحتها وما تضمنته من الفضائل والقيم لم تكن في دين من الأديان المعروفة، ناهيك عن الديانة الأفريقية الضاربة في الوثنية. فقد وجدت بلاد السودان ضالتها المنشودة في نور الإسلام

6

الساطع. وبذلك تحققت نظرية علماء مقارنة الأديان التي تقرر بأن الدين العك في قلوب من

لا دين لهم، أو من يعتمدون في تدينهم على الأوهام والخرافات كالسيل الذي ينحدر من أعلى إلى

أسفل (2).

Alemd

نينا للعال

وقد تأثرت أقاليم غرب أفريقيا المجاورة للمغرب بموجتين إسلاميتين: تتجلى أولاهما في تسرب الإسلام وانتشاره فيها انتشاراً بطيئاً استغرق حوالي سبعة قرون ابتداء من القرن الخامس الهجري (11 م)، وجاءت الموجة الثانية في أعقاب حركات الجهاد التي اضطلع بها الفلان في القرن الثالث عشر الهجري (19 م). مقام أما الموجة الأولى فقد كانت طلائعها من قبائل الملثمين (الطوارق) (3) الذين اضطلعوا بنشر الإسلام في غرب أفريقيا عن طريق التسرب السلمي. وعلى الرغم من أن حركة المرابطين بزعامة قبيلة جدالة كانت قصيرة العمر فإنهم نجحوا في إزالة أكبر عقبة كانت تحول دون تقدم الإسلام جنوباً، فاضمحلت على أيديهم مملكة غانة الوثنية، ثم اعتنق ملوكها الإسلام وأخلصوا له، وعملوا على نشره بوسائلهم وتحولت غالبية شعب غانة إلى الإسلام واستطاع دعاة المرابطين أن ينشروا الإسلام على ضفاف السنغال وفي الأقاليم الواقعة بين السنغال والنيجر. وتم في عهد المرابطين تأسيس مدينة تنبكت وامتداد الإسلام إلى مدينة «جنى»، وقد غدت المدينتان السودانيتان أعظم مركزين للثقافة الإسلامية وسوقين هامين للتجارة السودانية على ضفاف النيجر. وفي هذه المرحلة كذلك ظلت الموجة الإسلامية الأولى قوية بيد أن موجهيها لم يصبحوا من البربر بل من أهل البلاد الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام، ونالوا نصيباً من الثقافة الإسلامية، سواء أكانوا من السوادنيين الخلص، أم من السودانيين الذي اختلطت دماؤهم بدماء البربر وأفادوا من خبراتهم في ميادين السياسة والحرب، فأسسوا سلطنات إسلامية واسعة مثل: مالي وسنغي وبرنو. . الكانم، وإمارات الهوسا في شمال نيجريا حيث قامت سبع إمارات هي دورا، وكانو وزاريا، وغوبر (جوبير)،

:

(S)

(1) نفس المرجع ص: 57. (2) انظر: مقارنة الأديان الإسلام أحمد شلبي - ج 3 - ص 192 - 207. (3) ينحدر الطوارق من قبيلة مسوفة التي هي إحدى أقسام صنهاجة، وقد رحلوا من اليمن عن طريق المغرب، وتفرقوا في الصحراء ما بين السودان وجبال الأطلس راجع: بداية الحكم المغربي في السودان الغربي - ص 593 وما بعدها.

ها

وكتسنا وبيرام ورانو ولقد كان معظم إمارات الهوسا على الوثنية حتى القرن الثامن الهجري (14 م)، حين وفدت إليها تيارات إسلامية من الغرب على أيدي فقهاء مالي ومن الشمال على أيدي فقهاء المغرب، أما التيار الثالث فمصدره بلاد برنو، ومصر وثم تيار إسلامي رابع وفد إليها مع تجار جنى وتنبكت المترددين على إمارتي كانو وكتسنا أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر للهجرة (15 ـ 16 م)، وذلك إبان انتعاش تجارة إمارات الهوسا واستقرار أولئك التجار في هذه البلاد، والقيام على تدريس الدين الإسلامي ونشر مذهب مالك، وساعد على ازدياد قوة التيار الإسلامي في القرن العاشر الهجري (16 م) خضوع إمارات الهوسا لسلطنة سنغي الإسلامية)

(1)

كلها ولكن على الرغم مما بذل من جهود لنشر الإسلام في بلاد الهوسا فإن الإسلام لم يغلب على هذه البلاد، وظلت بها جاليات وثنية حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري (19 م)، ولم يلبث بعض أمراء الهوسا أن تحولت حماستهم للإسلام والثقافة الإسلامية إلى فتور تام ولم يعد يسمع شيء عن نشاط إسلامي خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر (17، 18 م حتى قيام الفلان بثوراتهم الإصلاحية في القرن الثالث الهجري (19 م) وهنا تبدأ الموجة الإسلامية الثانية التي بلغت من القوة في خلال قرن واحد، حداً يفوق ما بلغته الموجة الإسلامية الأولى في خدمة الإسلام والثقافة الإسلامية في غرب أفريقيا مدعمة بأفكار السلفية ومبادئها التي وجدت طريقها إلى بلاد الحوحة من خلال الدعوة التي اضطلع بها أحد زعماء الفلان الذين أخذت أفواجهم منذ القرن السابع الهجري (13 م) تفد من مواطنهم الأصلية بإقليم فوتاتورو بالسنغال إلى شمال نيجيريا، وهو الشيخ عثمان بن محمد بن فودي دان فوديو) (2) الذي خالط أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب من السلفيين حين رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وتشرب مبادئ الدعوة السلفية وتحمس لها، فأيقظت في نفسه رغبة ملحة في إصلاح أحوال المجتمع في بلاده، ومحاربة البدع والخرافات الوثنية التي تفشت فيها. ويصور ابن محمد بلو ذلك فيقول: وقد وجد في هذه البلاد بلاد) (الهوسا من أنواع الكفر والفسوق والعصيان أموراً فظيعة وأهوالاً شنيعة طبقت هذه البلاد وملأتها حتى لا يكاد يوجد في هذه البلاد من صح إيمانه وتعبد إلا النادر القليل ولا يوجد في غالبهم من يعرف التوحيد، ويحسن الوضوء والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات. . (3).

:

وقد استطاع الشيخ عثمان بن فودي وولده محمد بلو القضاء على مظاهر الشرك والوثنية وزرع مبادئ الإسلام الحنيف في النفوس بالدعوة والنصح والتعليم أولاً ثم بالجهاد ضد الأمراء الوثنيين ثانياً. وتمكن من التأثير على كثير من أتباعه المخلصين: فنجحت دعوته نجاحاً كبيراً، وخضعت (1) للمزيد من التفصيل راجع: الإسلام والثقافة العربية. . ص 202 إلى 242. (2) دان فوديو: أي ابن الفقيه ومن الألقاب التي عرف بها: نور الزمان ومجدد الإسلام والشيخ الإسلام في نيجيريا لآدم عبد الله الألوري ص: 35. (3) إنفاق الميسور: محمد بلو - ص: 58 وما بعدها وقارن بالإسلام في نيجريا ص 35 - 36.

لله الشمال

521

520 &