أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢إمارات الهوسا جميعها لنفوذه، وشملت حركته الأصلاحية بلاد برنو السودان الأوسط)، واستولى على كثير من أقاليمها (1).
ونشير إلى أن السلطان المغربي مولاي سليمان العلوي (ت 1238 هـ / 1822 م) الذي كان متشبعاً بأفكار السلفية ومتحمساً لمبادئها الإصلاحية، قد بعث برسالتين إلى السودان الغربي ينوه فيهما بالدور الجهادي والإصلاحي الذي قام به الشيخ عثمان بن فودي لنصرة الإسلام والقضاء على البدع: الأولى تحمل تاريخ أواسط جمادى الثانية 1225 هـ كتب بها إلى السلطان محمد الباقري،
سلطان آمر وأمير الطوائف الإسلامية بالسودان الغربي، جواباً عن رسالته. الثانية: بتاريخ 18 جمادى الثانية 1225 هـ. بعث بها إلى الشيخ عثمان نفسه. ومما جاء فيها: إلى السيد الذي فشا في الأقطار السودانية، عدله واشتهرت في الآفاق المغربية ديانته وفضله، العلامة النبيه العديم الشبيه في زمانه ذو النورين العلم والعمل اللذين هما منتهى الأمر، السيد عثمان بن محمد بن عثمان بن صالح الفلاني نفع الله بعلومه القاصي والداني، سلام منا عليه ما اشتد شوقنا إليه ورحمة من الله تغشاه حتى لا يخشى إلا الله والله أحق أن تخشاه، وبعد: فلقد علمنا عليك والتعريف بأحوالك وأفعالك ذلك ما أوجب محبتنا وتسليمنا إليك … فالله تعالى يجازيكم عن الأمم خيراً ويقيكم ضيراً، ويديم دولتكم محفوفة محفوظة، وبعين العناية ملحوظة .. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور (2).
من
الثناء
وقد كان تأثير الإسلام قوياً في بلدان السودان الغربي والأفريقية عموماً كان من نتائجه تمتين أواصر الأخوة الدينية بين هذه البلدان من جهة وبين الدول العربية من جهة أخرى. كما ساهمت تعاليم الإسلام التي دعا إليها العلماء والفقهاء والمصلحون في تنمية روح الجهاد لدى أبناء هذه الأقطار الأفريقية لمقاومة المستعمر وتنفيذ مخططاته الاستعمارية إضافة إلى ما عرفته الثقافة الإسلامية من إغناء وإثراء عن طريق الروافد العلمية والأدبية الأفريقية والإنتاجات الفكرية التي خلفها كبار العلماء والفقهاء في السودان الغربي، ومن بينهم أحمد بابا التمبكتي. البعد المذهبي: من المعلوم أن الفقه المالكي دخل البلدان الأفريقية الواقعة جنوب
-
2
(1) للمزيد من التفصيل راجع كتاب عبد الله الأليوري: الإسلام في نيجريا. وقد أورد فيه نص الوثيقة الجهادية التي أذاعها الشيخ عثمان في جماعة المسلمين ببلاد السودان المعروفة بـ وثيقة أهل السودان ومن شاء الله من الإخوان»، ص: 46 -
52
ص
(2) يوجد نص الرسالتين في إنفاق الميسور» لمحمد بلو 178 - 181 وراجع بحث الدكتور شوقي عطاء الله الجمل: عثمان بن فوديو وسياسة الجهاد الإسلامي التي اتبعها. . - مجلة البحث العلمي - العدد 26 - ص: 41 - 64. سنة 1976 م. وللتوسع في هذا الموضوع راجع رسالة الباحث صالح أكنوي المذهب المالكي في نيجيريا تقدم بها لنيل د. د. ع من دار الحديث الحسنية. تحت إشراف د. عبد السلام الأدغيري والدراسة التي عقدتها الباحثة بهيجة الشاذلي كمدخل لتحقيق كتاب إنفاق الميسور دراسة جامعية لنيل د. د. ع بكلية الآداب بالرباط 1990 م طبعت 1996 مع البحث الذي نشرته مجلة المناهل - عدد 56 بعنوان: من أعلام الثقافة الإسلامية بأفريقيا: محمد بلو نموذجاً» ص: 387 - 411.
(0)
الصحراء الكبرى عن طريق علماء مغاربة تركوا أكبر الأثر في الثقافة الدينية لهذه البلدان، حتى أصبح علماء هذه المنطقة أكثر تشبثاً بالفقه المالكي وتحمساً له وتعمقاً في دراسته. ويدل عليه ما تركه أحمد بابا التمبكتي من إنتاج غزير في هذا المضمار، ولعل اهتمامه بتراجم المالكية وتتبع أخبارهم وأحوالهم وإنتاجاتهم، وعنايته بمختصر الشيخ خليل وتتبع شروحه والتعليق عليها خير ما نتمثله في هذا البعد المذهبي، بل إن الكتب التي كانت متداولة في المدارس كتب مالكية صرفة: كتب عياض، وسحنون، وشروح ابن القاسم، وخليل ومدونة مالك، وكتب المغيلي والونشريسي، وموطأ مالك، وتحفة ابن عاصم، كل ذلك يبين مدى التأثير الذي تركه المغاربة في تطبيع الثقافة في غرب أفريقيا بطابع الفقه المالكي. ويتجلى هذا البعد المذهبي في الرسالة من خلال الفتاوي التي بنى عليها أحمد بابا رأيه في مسألة جلب الرقيق، وكلها فتاوى صدرت عن فقهاء مالكيين مشهورين من أمثال: أبي الأصبغ عيسى بن سهل صاحب الإعلام» بنوازل الأحكام وابن لبابة وسحنون، ومحمد بن الوليد ويحيى بن عبد العزيز وابن زرب وابن إسحاق إبراهيم بن هلال السجلماسي صاحب النوازل. وتردد فيها النقل عن المدونة للإمام مالك مباشرة. وليس ذلك غريباً، فقد تشرب ينابيع هذه الثقافة الفقهية ونهل من معينها على يد فقهاء مغاربة وسودانيين كبار يأتي على رأسهم شيخه محمد بن محمود التنبتكتي المعروف ببغيع، لازمه أكثر من عشر سنين، فقرأ عليه بلفظه مختصر خليل فرعي ابن الحاجب قراءة بحث وتحقيق وتحرير أما خليل فمرات عديدة وحضر عليه التوضيح، وختم عليه الموطأ، ودرس كثيراً المنتقى والمدونة بشرح المحلي، وتحفة الحكام لابن عاصم .. وكلها مدونات فقهية مالكية صرفة (1).
علامة دروس
ولشدة ولعه بالفقه المالكي وتعلقه بأصوله وأمهاته نجده يواخذ المغاربة على شدة تعلقهم بالمختصر وقلة عنايتهم بابن الحاجب والمدونة بل قصاراهم الرسالة والمختصر، واعتبر ذلك من الفقه وذهابه. ومع ذلك نجده يصرف عنايته كذلك إلى المختصر ويضع شرحاً عليه جمع فيه لباب كلام من وقف عليه من شراحه، وهم أزيد من عشرة، مع الاختصار والاعتناء بتقرير ألفاظه منطوقاً ومفهوماً وتنزيله على النقول. .» (2). 3 - البعد الثقافي: ويرتبط هذا البعد بما قبله، إذ لعب الفقه المالكي دوراً أساسياً في تشكيل الثقافة الإسلامية في هذه البلدان وصبغها بصبغته المذهبية، وتوجيهها بأصوله النظرية. ويبدو هذا البعد من خلال رسالة أحمد بابا التمبكتي في ناحيتين: رية العليا مله
الناحية الأولى: الصلات العلمية التي كانت قائمة بين علماء المغرب وعلماء السودان الغربي،
اولية (1)
(1) نيل الابتهاج 602. (2) نيل الابتهاج.171 وللمزيد من التفصيل في هذا الموضوع راجع رسالة الباحث صالح اكنوي المشار إليها سابقاً، خاصة الباب الثاني والثالث منها، خصصهما للحديث عن انتشار المذهب المالكي في نيجريا وأثره في الحركة العلمية. ()
523
522