أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣عن طريق تبادل الأفكار والكتب والاستفسار عن حكم ما يظهر من الوقائع والنوازل والقضايا بين الجانبين، منها هذه القضية التي عمت بها البلوى وانتشر فسادها في ذلك الوقت فاستدعى الأمر الإجابة عنها. وكان السؤال آتياً من الشمال موجهاً إلى أهل الجنوب من بلاد السودان، وقد خاطبهم السائل بخطاب يدل على التقدير والاحترام والمكانة التي للعلماء بهذه المنطقة والصدى العلمي الذي كانوا يحظون به، وقد حرره بقوله: «إلى الفقهاء الجلة الأعيان، ومصابيح السودان ممن له في المسألة
التبصرة والبيان. . .
الناحية الثانية ما تضمنته الرسالة من إشارة إلى علمين من أعلام تنبكت وهما: الفقيه محمود بن عمر بن محمد أقيت قال عنه سيدنا الفقيه البركة القدوة والفقيه: مخلوف بن علي بن صالح البلبالي قال عنه: الفقيه الحافظ الشيخ. وقد كان للثقافة المغربية والبيئة العلمية بمراكش أثر كبير في التكوين العلمي والتحصيل الدراسي للفقيهين. فالأول كان من قضاة تنبكت العلماء، اشتهر علمه وصلاحه وذاع صيته في الآفاق، وكان يقرئ المدونة والرسالة والسلالجية، وعنه اشتهر قراءة خليل هناك، فقيد فيه شرحاً كبيراً في مفرين وعنه أخذ والد أحمد بابا، توفي سنة 955 هـ (1). والثاني: أخذ العلم بولاتن، ثم سافر إلى المغرب حيث لقي ابن غازي وغيره، فأخذ عنه وانتشر علمه واشتهر بقوة حافظته. دخل تنبكت ودرس بها وحنّ إلى المغرب فشد الرحال إلى مراكش. (ت 1533 هـ) (2).
ونستخلص منه أن التفاعل الثقافي بين المغرب وبلاد السودان كان قوياً وعميقاً، يشهد له انتقال علماء من المغرب وغيره من الأقطار العربية إلى المدارس والجوامع التي قامت بهذه البلاد، وانتقال الدارسين منها إلى معاهد العلم المغربية وكان من نتائج هذا التفاعل ظهور علماء كبار تركوا بصماتهم على الحياة الثقافية في كل من البلدين، ومنهم الشيخ أحمد بابا صاحب الرسالة.
سكال
وفي إطار هذا التفاعل يتحدث البعض عن ثقافة سودانية ذات طابع مغربي بحت نتيجة لوضع طبيعي جعل من المغرب البوابة الرئيسية التي دخل منها الإسلام وتغلغل في ربوع الأقطار الأفريقية المجاورة له منذ القرن الخامس الهجري. وما تبعه من ثقافة ذات جذور مغربية، حتى إن المدارس في هذه الأقطار تكاد تكون مدارس مغربية صرفة كأننا في فاس أو، مراكش، ونماذج التأليف نماذج مغربية الصورة (3) يقول الدكتور حسن أحمد محمود: كانت الثقافة في غرب أفريقية مغربية في أرض
سودانية (4)
ويشبه البعض دور المغرب الحضاري في هذه البلدان في كثير من مظاهره دور مصر بالنسبة
(1) نيل الابتهاج 607 - رقم: 746. (2) نيل الابتهاج 608 - رقم: 747. (3) الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا ص: 244. (4) نفس المرجع ص: 245.
للسودان الشرقي وشرق أفريقية. . فعبر مسالكه ومراكزه الثقافية والتجارية بسجلماسة وتوات وتلمسان وتندوف ووادان و شنقيط وولاته عبرت جموع التجار المغاربة والعلماء والصلحاء ورجال السياسة إلى الممالك الزنجية داعين إلى الإسلام. ومن تنبكت وكاو وجنى ومالي انتقل إلى مراكش وفاس عدد من العلماء والطلبة لتعميق معارفهم والاتصال بإخوانهم في الأقاليم الشمالية» (1). ولم تكن الثقافة في غرب أفريقيا أقل غزارة وعمقاً من الثقافة في بلاد المغرب، ولم يكن العلماء والفقهاء الذين تعرضت لهم كتب التراجم أقل في مستواهم العلمي من إخوانهم المغاربة. فالتفاعل والتواصل والتلاحم بين الأقطار الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى كان عميقاً وقوياً ظهرت فيه عناصر التأثير والتأثر من الجانبين على مستوى الكتب والبرامج وطرق التدريس والقضايا التي كانت تثار في المجالس العلمية. وكان الإسلام يطعم هذا التفاعل والتواصل بعناصر حضارية في التفكير والسلوك والعمل من أجل القضاء على رواسب الوثنية وإدماج الحضارة الأفريقية في إطار الحضارة الإسلامية الكبرى بعد أن عدلتها وهذبتها وقومتها لتصبح عنصراً فاعلاً في هذه الحضارة. وليس غريباً أن ينعكس ذلك على الأدب الأفريقي، الحديث وفي أعمال المهتمين بقضايا التراث والباحثين عن الأصالة والإبداع. ولعل هذا يؤكد موقف كتاب الرواية الأفريقية من الإسلام إذ أنهم لا يعتبرونه ديناً دخيلاً على القارة الأفريقية، بل إن الإسلام يبرز في عدد من الروايات الأفريقية وقد اختلط بالديانات والتقاليد الأفريقية القديمة اختلاطاً طبعه بطابع مميز دون أن يخل بمبادئه الأساسية. وتشير الأبحاث التي أنجزت في الساحل الأفريقي الشرقي وبعض بلدان غرب أفريقية مثل غانا وساحل العاج وغامبيا والسنغال وغيرها إلى أهمية الثقافة الإسلامية العربية وأثرها على الإنتاج الأدبي. ليس هذا فحسب بل تعداها هذا الأثر عبر المحيط الأطلسي ليترك بصماته واضحة عن الأدب الزنجي الأمريكي، كما يظهر بجلاء في الفصول الأولى من كتاب الجذور» (Roots) لأليكس هيلي Al Haley - طبع في بريطانيا 1977 - وهكذا نجد من بين كتاب الرواية الأفريقيين والمفكرين السود من الأمريكيين من يعتبر الإسلام عنصراً أساسياً في الثقافة التقليدية للوطن المفقود - أفريقية السوداء - التي يحاولون استردادها من خلال البحث عن الأصالة الثقافية والروحية.
ونختم بالقول إن الحركة الثقافية والحضارية في بلاد السودان لم تكن في الواقع مجرد تجديد لتراث ثقافي وحضاري بائد، وإنما كانت انفراجاً لثقافة إسلامية راسخة في هذه البلاد منذ القرن الخامس الهجري (11) (2).
(1) التواصل الثقافي بين المغرب والسودان. - محمد الظريف - ضمن ندوة أحمد باب ص: 59. (2) اسكيا الحاج محمد وإحياء دولة السنغاي الإسلامية - فاي منصور علي - ص: 196.
525
524222