أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦منطقة السودان الغربي على امتداد القرنين التاسع والعاشر للهجرة، وفي إقامة التواصل العلمي وربط صلات التأثر والتأثير بين السودان الغربي وغيره من جهة المشرق والمغرب على السواء. مال والسند في هذه الحلقات الأربعة يحتفظ فيها بحضوره في منطقة تنبكتو ليتفاعل هذا الحضور بقوة العلماء الحاملين له وبالثقة التي تراعى فيهم، لينتقل عن طريق الشيخ أحمد بابا إلى المغرب وليعتمده الرواة المغاربة في فهارسهم فيأخذون به في تحملهم رواية صحيح البخاري، وتوثيق أسانيدهم فيه.
المرتبة الثالثة: وهي المرتبة الأخيرة زمنياً في هذا السند وتمثلها حلقتان اثنتان يكون السند. فيهما قد استقر بالمغرب، وسرى ذكره وأثره في رواية المغاربة. ولذلك كان الشيخان اللذان يشغلان هاتين الحلقتين من علماء المغرب ورواته، فالأول هو القاضي أبو القاسم ابن أبي النعيم الغساني قاضي الجماعة بفاس، وقد أخذ عن الشيخ أحمد بابا وحمل عنه مروياته وقد استقر عنده بموجب هذا الأخذ سند صحيح البخاري في بلاد المغرب برواية عدد من علماء السودان الغربي. فهو بهذا يمثل حلقة مهمة يبدأ معها التحول في السند وستستمر روايته وتحمله بهذه الصفة في عدد من الفهارس والإثبات في المغرب والمشرق.
والثاني هو الشيخ عبد القادر الفاسي وهو آخر من أرسى إليه هذا السند. فقد تحمله رواية بالسماع على شيخه القاضي ابن أبي النعيم وعزز روايته له بنص الإجازة العامة التي كتبها، بخصوصه، شيخه ابن أبي النعيم المذكور.
وبواسطة الشيخ عبد القادر الفاسي ونص فهرسته الإجازة التي استفاد منها عدد من مشاهير العلماء في المغرب والمشرق، ستكبر أهمية هذا السند وستقوى رغبة العلماء وأرباب الرواية في الاتصال به، وإسناده وسيتحقق بهذا السند جانب من الاستمرارية في رواية صحيح البخاري عند علماء المغرب وسيكون له حضور تتجدد به هذه الرواية، ولا سيما في المشرق، فيسري بها وبرواتها أثر الشيخ عبد القادر الفاسي، وأثر المغرب في تنشيط الفاعلية بين المغرب والمشرق وتجديد فرص التواصل الثقافي بين المغرب وغيره من البلاد الإسلامية.
وإذا كانت أهمية هذا السند وقيمته تبدو فيما يحمله هذا السند ذاته من معالم التواصل الثقافي ورصد آثاره، خاصة بين المغرب والسودان الغربي، فإن العمل لإبراز هذه الأهمية، يدفعنا لتركيز الدراسة وتسليط الأضواء أكثر على الحلقات التي تمثل هذا السند والوقوف عند رجاله للتعريف بهم وذكر أحوالهم في العلم والرواية.
وهكذا. ولإبراز معالم هذا التواصل الثقافي بين المغرب والسودان الغربي، وبالصورة التي تعرب به عن خلفيات هذا التواصل وبواعثه وأسراره وآثاره - نقف وقفة متأنية عند الشخصيات التي مثلت حلقات السند في روايته بالمغرب والسودان مقتصرين في الحديث عن رواة المغرب على الحلقة التي يشغلها القاضي أبو القاسم ابن أبي النعيم.
1 - أما القاضي ابن أبي النعيم (1) فقد شغل أهم حلقة استقر معها هذا السند في المغرب. فكان قد أخذ العلم عن الشيخ أحمد بابا وحضر مجالسه في ذلك، وسمع منه صحيح البخاري وتحمله رواية عنه. ورغم أن القاضي ابن أبي النعيم كان أسن من أحمد بابا، فإنه في غمرة الاهتبال بمجالس الشيخ أحمد بابا العلمية في المغرب والتقدير العلمي الذي كان يحظى به أحمد بابا لدى علماء المغرب جعلت مجالسه العلمية قبلة يفد إليها الراغبون على اختلاف مستوياتهم العلمية من كل جانب. وقد كان أحمد بابا واعياً بأهمية درسه في ذلك. لهذا وهو يترجم لنفسه تحدث بوضوح عن الإقبال الذي شهده مجلسه العلمي، فَسَمَّى في ذلك بعض العلماء الذين كانوا يجلسون إليه، ومنهم الشيخ القاضي ابن أبي النعيم الغساني فقال: ولما خرجنا من المحنة طلبوا مني الإقراء، فجلست بعد الإبابة بجامع الشرفاء بمراكش … وازدحم علي الخلق وأعيان طلبتها ولازموني بل قرأ عليّ قضاتها كقاضي الجماعة بفاس العلامة أبي القاسم بن أبي النعيم، وهو كبير ينيف على ستين. . . (2).
أحمد
وقد أصبح ابن أبي النعيم إمام عصره وشيخ الجماعة بفاس يدرس ويفتي ويتولى خطة قضاء الجماعة بفاس. وقد غدا في ذلك وزنه العلمي في بيئته كبيراً، يتجاوز في اختصاصه عدداً من العلوم المختلفة على عادة كبار العلماء في عصره مشرقاً ومغرباً. وهكذا يصفه تلميذه الشيخ محمد ميارة الفاسي وقد أخذ عليه بقوله: «. . . وأما شيخنا القاضي ابن أبي النعيم فقد كان إماماً عالماً متفنناً له باع كبير في علم البيان وعلم الكلام، وأدرك شيوخاً جلة وقرأ عليهم. وعمدته الإمام المشهور أبو العباس بن علي المنجور. وسمعت عليه زيادة على صحيح البخاري كبرى الشيخ السنوسي بشرح مؤلفها من أولها إلى آخرها وكان يقرئ التفسير قراءة جيدة لعلمه، بآلاته ويحضر مجالسه جهابذة وقته. ولا أذكر له الآن تأليفاً لاشتغاله بخطة القضاء، بل والفتوى في غالب الأوقات. . . (3). ولم يترك ابن أبي النعيم من المؤلفات رغم نشاطه في التدريس والفتوى غير فهرسة شيوخه ورواياته، وبعض نصوص الإجازات التي خص بها بعض تلامذته هذه الفهرسة كان قد اطلع عليها الصغير الأفراني ونقل منها في بعض تراجم كتابه صفوة من انتشر (4). وتعتبر هذه الفهرسة اليوم في
حكم المفقود. وقد تعدد تلامذة الشيخ ابن أبي النعيم، وبخاصة مشاهير العلماء فقد أخذ عنه أبو حامد
منهم.
(1) ترجمته في: روضة الآس 335 - مرآة المحاسن -162 صفوة من انتشر 74 - نشر المثاني /1/ 254 فهارس علماء المغرب 3/ 720 والمراجع المذكورة. (2) نشر المثاني 1/ 271 - فتح الشكور 34 الإعلام للمراكشي 304/ 2 وهم جميعاً ينقلون على كفاية المحتاج الذي ختمه بالترجمة لنفسهہ - Tlate الشارب المال
(3) فهرسة الشيخ ميارة 19 ضمن كتابه نظم الدرر مخطوط الخزانة العامة بتطوان رقم 762. (4) صفوة ما انتشر: 43 و 228 حيث ذكرها ضمن مصادر كتابه.
(0)
(1) K
551
550