أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٨

أما والده الحاج أحمد فقد حضر عنده في درس العلوم وسمع منه صحيح البخاري بقراءته، وأجازه إجازة عامة في كل ما يحمله وكتب له بخطه. ولذلك فهو يسند إليه رواية الصحيح، وغيره من كتب الحديث، كما ورد في السند الذي نحن بصدد دراسته. وسأقف وقفة متأنية عند والد أحمد بابا بعد قليل لأعرف به باعتباره حلقة مهمة من حلقات هذا السند.

،

أما الشيخ الثاني قريبه محمد بن محمود بغيع (1) (ت 1002) فقد أخذ عنه أحمد بابا، ولازمه أكثر من عشر سنين درس عليه العلوم المختلفة بما فيها قراءة الحديث وسماعه عليه. فهو كما يذكر أحمد بابا بشأنه .... شيخي وأستاذي ما انتفعت بأحد انتفاعي به وبكتبه رحمه الله ونفعه، وأجازني جميع ما يجوز له وعنه، وكتب لي بخطه (2) في ذلك. . .) والمعروف على هذا الشيخ أنه … كان مثابراً على الإقراء ملازماً للدرس يقضي نهاره كله في ذلك، فكان برنامجه في العمل اليومي أنه … يقرئ من صلاة الصبح أول وقته إلى الضحى الكبيرة دولاً مختلفة، ثم يقوم لبيته ويصلي الضحى مدة، وربما مشى بعضها للقاضي في أمر الناس … ثم يقرأ في بيته وقت الزوال، ثم يصلي الظهر بالناس، ويدرس إلى العصر، ثم يصليها ويذهب إلى موضع آخر يدرس فيه إلى الإصفرار أو قربه. وإذا صلى المغرب درّس في الجامع إلى العشاء ثم رجع لبيته. وقد سبق لهذا الشيخ أن رحل إلى المشرق حيث لقي العديد من علمائه، فأخذ عنهم واستفاد وأسند إليهم الروايات. ولذلك كان هذا الشيخ من المسندين الذين اعتمدهم طلبة تنبكتو ورواتها، وبخاصة تلميذه أحمد بابا الذي أسند من طريقه روايته أيضاً في صحيح البخاري، وهي الرواية التي سجلها الشيخ أحمد بابا في إجازته لأبي العباس المقري (4). وقد اشتهر في فهارس المغاربة - بجانب السند الذي نحن بصدد دراسته - سند رواية صحيح البخاري من طريق أبي العباس المقري عن أبي العباس أحمد بابا عن الشيخ محمد بن محمود بغيع وقد أحال عليه الشيخ عبد القادر الفاسي وسماه في فهرسته الإجازة عند ذكر سند الصحيح المستفاد من شيخه أبي العباس

منهم

(5)

المقري.

(3) «

وعلى كل فقد استفاد أحمد بابا من هذين الشيخين وحمل عنهما الحديث، وبخاصة صحيح البخاري، وأسند إليهما روايته، معتمداً في ذلك على ما حصله هذان الشيخان من رواية صحيحة على شيوخ تنبكتو، وعلى شيوخ المشرق وقد رحلا إليه واستفادا من علمائه وعلى الثقة التي حظيا بها بين معاصريهم من علماء المغرب والسودان.

لذلك كان انتقال أحمد بابا إلى المغرب - رغم أنه قد تمّ في إطار المحنة - انتقالا يحمل (1) ترجمته في: نيل الابتهاج: 600 - نشر المثاني 1/ 40 ـ صفوة من انتشر 101. (2) نيل الابتهاج: 602 حيث سجل لائحة مقرواءته عليه.

(3) نيل الابتهاج: 601.

(4) روضة الآس: 306.

(5) فهرسة عبد القادر الفاسي: 20.

(1)

() ar

التحول النوعي في أثر أحمد بابا العلمي، أولاً، وفي ربط صلات الثقافة وتواصلها بين الحاضرتين الأفريقيتين مراكش وتنبكتو ثانياً.

وهكذا حمل معه الشيخ أحمد بابا تلك الشخصية المثيرة الصريحة والجريئة والمتفانية في حب العلم وخدمته، فأعجب الناس بشخصه وبعلمه، ووثقوا به، والتفوا حوله على اختلاف طبقاتهم من العلماء والطلبة والعدول والعامة، رغم أنه كان في لسانه عقدة لا يفهمه إلا من سمع إليه وخالطه مدة. إلا أن أهم ما حمله أحمد بابا في نقلته المكرهة هذه هو ذلك التأثير العلمي الذي سرى بحضوره ـ في المغرب وفي الثقافة الإسلامية - في أكثر من واجهة التلميع فيال

ولمعانه

عن

مراراً،

أ ـ في حلقة الدرس التي أقامها بمساجد مراكش وحضرها الخاص والعام من طلبة المغرب وشيوخه. وقد تخرج على يده عدد وفير من هؤلاء الطلبة ممن كان لهم تأثير في تحريك البيئة الثقافية في مغرب القرن الحادي عشر. ويتحدث أحمد بابا وهو يترجم لنفسه أثره في الدرس والإقراء في المغرب فيذكر أنه لما خرج .... من المحنة طلبوني للإقراء، فجلست بعد الإباية بجامع الشرفاء بمراكش من أبوه جوامعها، أقرئ مختصر خليل قراءة بحث وتحقيق ونقل وتوجيه وكذا تسهيل ابن مالك، وألفية العراقي، فختمت عليّ نحو عشر مرات وتحفة الحكام لابن عاصم، وجمع الجوامع للسبكي، وحكم ابن عطاء الله، والجامع الصغير للجلال السيوطي قراءة تفهيم وكذا السفا والموطأ والمعجزات الكبرى للسيوطي، وشمائل الترمذي، والأكتفا لأبي الربيع الكسلاعي وغيرها وازدحم علي الخلق وأعيان طلبتها ولازموني. بل قرأ علي قضاتُها كقاضي الجماعة بفاس العلامة أبي القاسم ابن أبي النعيم الغساني، وهو كبير ينيف على ستين، وكذا قاض مكناسة الرحلة المؤلف صاحبنا أبو العباس ابن القاضي المكناسي له رحلة للمشرق لقي فيها الناس وهو أسن مني، ومفتي مراكش الرجراجي وغيرهم. . .» (1). ويشير غير واحد من المؤرخين إلى ما خلفه وجود أحمد بابا في المغرب من أثر في نشر العلم ومزاولة تدريسه والتأليف فيه. فتلميذه أبو العباس البوسعيدي السوسي، وقد كان ينسخ له كتبه يذكر أن لسانه كان «معقداً لا يفهم إلا بعد مصاحبته أمداً طويلاً) (2). ذلك لما خرج من المحنة وتصدر للتدريس تنافس كبار ومع الطلبة على الأخذ منه. وكثير منهم ممن تصدر للإقراء. . .» (3). فعال وقد نبه على هذا الأثر ابن الطيب القادري عند ترجمته في نشر المثاني، فبين ما استفاده

(1) نشر المثاني 2711 - فتح الشكور 34 الإعلام للمراكشي 2/ 304 وهم ينقلون عن كفاية المحتاج. ال الشماليت (1) بياضة (4)

(2) نشر المثاني: 274/ 1.

(3) نشر المثاني 274/ 1.

(0) Kaly 11.

555

554