أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣ففي التّبِتِ مثلاً تشكل الأقنعةُ بحيث يُمثل كل نوع منها في شكله وألوانه آلهة محددة. مما يقف بالقناع التبتي عند حدود التعبير المباشر ويزيل له أي طاقة على الفعل كما هو الشأن في القناع الأفريقي. وفي اليابان هناك أقنعة اصطلح الناس عليها واتفقوا على أشكالها التي لا تتغيّر وهي تمثل شخصيات أسطورية كحارس السماء وإله الحكمة وشياطين الرقصات البدوية ذات الطابع الديني والمستلهمة لأجواء الصلاة وهي أقنعة تقليدية لا تتجاوز في دلالتها الإشارة إلى هذه الشخصيات الأسطورية: وضوح تام (1).
ويبدو أن تقليد القناع قد استغنى عنه الصينيون واستبدلوه بتقنية تزويق الوجه بحيث يتحوّل الوجه البشري إلى قطعة مزوقة ومزركشة تكاد تماثل القناع في قوّة الظهور ونصاعة الأصباغ والطلاء وبروز الملامح والقسمات. غير أن هذه التقنية لا ترقى إلى مستوى القناع، لأنها تظل مع ذلك إخفاء لمعالم الوجه البشري وراء لوحة من الألوان التي لا تخفي حقيقة وجود الوجه الطبيعي لصاحبه مما يفقر المدى الرمزي والشحنة الدلالية لذلك الوجه الملوّن، إذا قورن بالقناع الأفريقي ذي الطابع التجريدي الغامض (2).
وفي أروربا، ولا سيما لدى الإغريق القدماء، نلاحظ الاهتمام الكبير الذي حظي به القناع في المسرح. فهناك القناع التراجيدي المأساوي والقناع المضحك الساخر، والقناع العجيب كما هو في كوميديات أرسطوفان (380 ق. م). وتعبّرُ المسرحيات اليونانية عن نظام العالم الإغريقي والأوضاع المأساوية للفرد داخل جماعته كما أنه وصف لكوسموكونية شاملة (3).
الشأن
وعند شعوب التتهوكان (Teotihuacan) بالمكسيك بأمريكا القديمة شاعت تقاليد القناع على نطاق واسع. وقد عثر في منطقة هذه الحضارة على آلاف الأقنعة المصنوعة من قطع من الخزف والفخار ولكنها أقنعة متشابهة ولا تحمل دلالات تجريدية أو رمزية غامضة، وإنما هي معبرة بوضوح عن مواقف معينة ويطغى عليها التشابه في الملامح العامة و عدم تنوع المادة التي صُنعت منها. فهي فقيرة في دلالتها الرمزية، وإن كانت أثراً تاريخياً مهماً عند الأركيولوجي (4). أدوار القناع في المجتمع الأفريقي:
ارتبطت مؤسسة القناع في أفريقيا بالطقوس الفلاحية والتأبينية والطقوس التأهيلية rites) initiatiques . وهذه الوظائف تظهر في لحظة التطور الذي تتخذ فيه المجتمعات المسارات القارة في (1) انظر عدداً خاصاً بالاحتفالات (les fetes) من مجلة:
حياتها كالمسار الفلاحي أو غيره. وقد كتب جان لود (Jean Laude) حول الأقنعة «نحت يتحرك»،
وهو أحد الفصول الهامة في كتابه فن أفريقيا السوداء». ونجتزئ من كلامه بأفكار أهمها (1):
أ - إن الرقصات في المواسم الدينية الزَّيَّاح) la procession التي يستعمل فيها القناع في نهاية الأعمال الموسمية كالحرث والبذار والحصاد ووقائع أصل الخلق les événements des) origines وتنظيم العالم (الكون) والمجتمع - كل هذه الأشياء يُعاد بعثها من جديد داخل هذه الحالات من الاحتفال في الحاضر ويتم استلهام الماضي بكل دلالاته وحمولته. وهذا الماضي يفترض فيه أن الإله قد صنع كل ذلك بمساعدة الجن.
والثقالة
ب - فمثلاً راقصو كورومبا (Kurumba) يعيدون رقصة البطل المحضر (Yirique)، وأبنائه الذين هبطوا من السماء بأقنعتهم. أما الراقصون من الدوكون les Dogons)، فيحملون أقنعة (kanoga) وهو اسم يدل على يد الإله. ويعيدون بحركة دائرية من الرأس والجذع حركة الإله الذي أسس الفضاء في حركة الخلق العامة (2).
نے
فالأقنعة تعيد الحياة بين الفينة والأخرى وبانتظام، للأساطير التي تزعم تفسير أصول التقاليد والعادات اليومية حسب الرموز، وتبدو الأخلاق كأنها رد فعل على نشأة الخليقة. فالأقنعة تلعب دوراً اجتماعياً: فالمناسبات المقنعة هي حالات خلق للعالم ((الكون) قيد الإنجاز تعيد بعث الفضاء والزمن وتنتشل الإنسان وقيمة التي تخصه من التحلل الذي يلحق كل شيء في الزمن التاريخي.
ولكنها أيضاً تُعد حفلات تطهيرية حقيقية يشعر فيها الإنسان بوعي بمكانته في الكون، ويرى حياته وموته مسجّلتين فى مأساة جماعية تمنحهما معنى.
د - في شعائر التأهيل (initiation) يتخذ القناع دلالة مختلفة بعض الاختلاف فالمؤهل المقنع يجسد الجني الذي يثقف الناس. فالرقص بالقناع ينفث في المراهق ذلك الاقتناع بأنه يموت في وضعه القديم ليحيى في وضع حديث، وهو وضع الكهل.
ه
تقال
(3)
وتكتسي الأقنعة أحياناً قدرة سحرية فهي تحمي لابسيها من الأشرار والسحرة (المشعوذين). وعلى العكس من ذلك يستعملها أفراد المجتمعات السرية لفرض إرادتهم بالترهيب. ويعتبر القناع أيضاً وسيلة للتملك. فهو يصلح لضبط القوى الحيوية التي تصدر عن شخص
(1) کتاب جان كلود فيو، هو:
Jean Claude Filloux، la personnalité، Paris، P.U.F.، 1963.
Jean Chevalier et Alain Cheerbrant، Dictionnaire des symboles، Paris، éd. Robert Laffont، Jupiter، 1969.
(2) انظر التفاصيل في:
(3) ويمكن هنا أن تأخذ مثالاً على ذلك جماعات الإرهابيين الذين يستعملون الأقنعة المختلفة من أجل تسهيل مهمتهم أثناء تنفيذ مخططاتهم. وقد يشمل القناع إخفاء ملامح الوجه أولاً وقبل كل شيء، ثم إخفاء بعض معالم الجسد بعد ذلك.
56502
Historia، n°28، novembre-décembre 1980.
Simon Gruner، Jeu de masques، éd. Dolmaine et Tolba، Paris، 1979.
Jean Pierre Vernant، Mythes et Pensées chez les grecs، T.L، Paris، Petite Collection Maspéro، 1982، pp.90 - 91. Trésors Américains، collection du Musée des Jacobins d'Auch.، éd. Griot، 1988، PP. 44 - 52. Contal to an
564
baraa (2)
(3)
(4)