أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤(مخلوق بشريّ) أو حيوان في لحظة موته. فالقناع يحوِّلُ جسد الراقص الذي يحافظ على فرادته، وباستعمالها كأساس حي وحيواني يبعث مخلوقاً آخر في صورة جني، وحيوان أسطوري أو غريب (عجيب) يتم التحكم في قوته فالقناع أيضاً يقوم بوظيفة شرطي المرور، ولا سيما في صورتها الخفية التي تنظم سير الأرواح والطاقات الروحية المبعثرة في الكون. فالقناع يحجزها حتى لا تضيع. فالقوة الصادرة عن الموت في لحظة تحققه ستربك الأحياء لو لم يتم ضبطها. فهي سوف تخلخل نظام العالم وعندما يتم ضبطها بالقناع، فإنه يتم تأليفها وتصريفها من أجل خدمة الجماعة بصورة إيجابية بتوزيعها ومراقبتها
(1)
ولها
ماما كما أن القناع يحمي الراقص الذي يتعامل معه من قوته الشريرة. فالقناع يهدف إلى التحكم في العالم الخفي ومراقبته. tate مال إن تعددية القوى المتحركة في الفضاء تفسّر تعدد أنواع الأقنعة وتعقدها حيث تمتزج فيها الصور البشرية بالصور الحيوانية في موضوعات متباينة وأحياناً مرعبة.
ا ولا يخلو القناع من خطر على من يحمله. فالحامل يسعى إلى ضبط قوى الآخر بجذبها إلى أشراك قناعه، ويمكن أن يتملكه هذا الآخر بدوره فالقناع وحامله يتبادلان الأدوار. إذ يمكن لمن يحميه القناع أن يكون ضحيّة القوى الخفية الموجودة في القناع، فيتحول الحامي إلى السيد المتصرف فالذي يلبس القناع أو ينوي لمسه أو التقرب منه يحتاج إلى أن يتطهر وأن يتسَلَّحَ بما قد يقيه من الصدمة إذا حدثت.
وهكذا فحامل القناع يحتاج إلى أن يبدأ أولاً بالاستعداد اللازم باتباع نظام خاص يحرم فيه على نفسه كثيراً مما يحل لغيره من الأكل أو الجماع، وعليه أن يتطهر بالاغتسال والتوضؤ وأن يقدّم القرابين والهدي (الذبائح) والصلوات قبل أن يجرؤ على حمل القناع أو لمسه (2).
الإمساك
إن هذه الاستعدادات تشبه في صورتها الاستعدادات الضرورية للدخول في خلوة صوفية. وقد لاحظ الإتنولوجيون أن لبس القناع جزء من نشاط صوفي تطهيري لا يتم إلا لمن له القدرة على عن إتيان كثير من الأعمال التي التي لا يجوز معها لمس القناع أو حمله. وقد حدد أينشتين (Einstein) القناع بأنه وجد ساكن (une extase immobile ويذهب الآخرون إلى القول ـ مثل لود Laude) - بأن القناع هو الطريق إلى الوجد (Textase) ، باعتباره يحمل دلالة الإله أو الجني. يظل القناع ذا بعد تأملي لأنه اللحظة الفاصلة بين كيانين أحدهما هو القابض على القوة الخفية والمتحكم فيها من خلال القناع وهو كيان حامل القناع وكيان القوة الخفية التي قد تستعصي
،
من
(1) إن القوى الخفية التي تنبعث من القناع إما أن تكون مصدراً لتنظيم العالم وفق سلمية وجودية وأخلاقية معينة، وإما أن تنفلت هذه القوى من أسر الضبط المحكم فتتحول إلى قوة متحركة ومدمرة للعالم من حولها. يمكن الوقوف على هذه الحالة. النظام عند شعب الدوكون (les (Dogon) بأفريقيا السوداء. وسيأتي الحديث عن دور القناع في مجتمع الدوكون والبامبارا في موضع آخر من هذه الدراسة.
(2) ملك الا بالله في
Chevalier et Cheerbrant، Dictionnaire des Symboles، op. cit.، p.616.
على الضبط فتصير مؤثرة في حامل القناع بصورة سلبية: إذ تمتلكه ويُمكنُ أن تضره أو أن تدمره
تماماً.
وإذا دلَّ هذا على شيء فإنما يدل على مدى ازدواجية القناع في الوظيفة التي يقوم بها في المجتمع الأفريقي على صعيد الحياة الشعائرية والسحرية. فهو مصدر للقوة الخفية المغيرة إما لمصير العالم ومسارات أشيائه بوساطة حامل القناع وهو الساحر، والمغير، وإما أن يكون القناع مصدر قوة خفية مدمرة للساحر نفسه عندما تمتنع القوى الخفية والجنية عن الإذعان لإرادة لابس القناع. القناع رؤية للعالم: نقاشي تا به قياس کا المي لا لفهم العالم (الكون) عند الأفارقة، يلزم ملاحظة ما يلي: تحليل ولما تا به بالا
1 - إن مفهوم خلق العالم (cosmologie) يرتبط بمفهوم بدء الخليقة. (cosmogonic) . فالكوسمولوجيا مجموعة من المعتقدات والمعارف وهي معرفة مركبة تحترم العالم الطبيعي والبشري، في حين أن الكوسموكونيا أعم من الكوسمولوجيا؛ والأولى تركز على خلق الكون. فهي في شكل أساطير تعرض أصول الكون (cosmos) وصيرورة بناء المجتمع. فالكوسمولوجيا تنظم وتربط الوسط الطبيعي والخصائص الثقافية للجماعة التي تنتجها وبين المفهومين - cosmologie و cosmogonie - توجد علاقات تداخل فالكسمولوجيا حاضرة داخل الكوسموكونيا في صورة مجموعة من القطع المشكلة من المحيط والعالم الفيزيائي، وفي كل الكوسموكونيات يتم الاعتماد على استدعاء محيط مرتبط بالفضاء الطبيعي أو المكان الطبيعي. تتخذ الكوسمولوجيا الكوسموكونيا تبريراً لتنظيم المكان والتنظيم الاجتماعي، وهكذا فهناك بالفعل تداخلات جدلية بينهما. فالكوسموكونيا تصلح لتبرير التنظيم الناجم عن الكوسمولوجيا، في حين أن الكوسمولوجيا تتدخلُ في داخل الكوسموكونيا باعتبار أن هذه الأخيرة تعتمد على المحيط، أي الوسط الحيوي ويمكن إقامة حدود بين المفهومين من الناحية المنهجية؛ غير أنهما مفهومان مترابطان و متلاصقان وأحدهما يؤدي إلى الآخر بالضرورة. فكلا المفهومين يعتمد على الزمن والمكان. فالمكان يشتمل على المادة وزمان الخلق وما يتبع
ذلك.
(1) -
يافة وهكذا، فالكوسمولوجيا تهتم بالعالم المادي والكوسموكونيا بالأرواح وأساطير أصل العالم في التصورات. له كفة المالي 2 - هناك علاقة بين الكوسمولوجيا وسائر المجالات الاجتماعية لأن المعرفة الأفريقية معرفة سبنا الله نا
(1) انظر حول رؤية العالم بشقيها الكوسمولوجي والكوسموكوني، المصدرين التاليين:
Jean-Marie Vincent، Fétichisme et société، Paris، Ed. Anthropos، 1973; D. Ford، African Worlds Studies in the cosmological Ideas and social Values of African Peoples، London، 1954.
567
566