أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥موحدة. فكل ما يعرفه الإنسان عن نفسه وعن الآخرين وعن المجتمع والله، هو معرفة واحدة ذات أصول أسطورية ويتم التعبير عنها في طقوس وشعائر أو ممارسات مختلفة. روي الملقب 3 - فالمعرفة بالعالم وغيره ذات أصل أسطوري لدى الأفارقة على العكس من المعرفة لدى الإنسان غير الأفريقي، وهو الإنسان الغربي مثلاً في الإطلاق العام.
وهكذا، فإذا كانت المعرفة لدى الإنسان الغربي تميل إلى التجريد وتتخذ أبعاداً هندسية، فإنها لدى الأفريقي ظلت محصورة بين فضاءين متميزين بهما أمكنة لها وظائف حيوية ومحددة. فالمعرفة الكوسموكونية لدى الإغريق مثلاً ظلت في أدوارها الإنسانية في التاريخ القديم، معتمدة على الأصل الأسطوري؛ لكن بعد القرن السابع عشر وظهور التيارات الرياضية والتجريدية، تم التخلي عن البعد الإنساني في تصور العلوم وأبعدت أصول الأسطورة ليحل محلها الحساب وقوانين ضبط المادة ـ ممّا ولد معه كوسمولوجية خاصة لا تعتمد على الإنسان، وإنما على القياسات الموضوعية والحساب الرياضي.
الفارغ
وقد ظلت الكوسمولوجيا الأفريقية إلى اليوم معتمدة على الإنسان (anthropoforme) كما هي عند كل مجتمع بدائي (archaique) إن الفضاء الأسطوري لدى الأفريقي يعارض أي تصور للفضاء الفارغ والمشكل. فالأفريقي الإنسان الأفريقي) يعيش في مكان مطلق تتكثف فيه مجموع القوى التي تعطيه أبعاده داخل الكون العام. إنه فضاء مليء بالدلالات البشرية ولا يتحدد إلا بموجب ما منحه إياه الإنسان من وظائف في الممارسات والطقوس، على عكس الفضاء الغربي الذي يحدد مادياً بصورة تجريدية. وقد عبر ليفي برول (Levy-Bruhl) عن هذا التصور: إذ صرَّحَ أن الفضاء الأفريقي يتحدد باعتبار من يحتله من الإنسان والحيوان أو ما ينبت فيه من النبات أو ما يهب فيه من الرياح. ويُعتبرُ الفضاء المكان الحيوي الوحيد الذي يمكن فيه العيش بأمان (1).
مظفر
ويتم تنظيم الوجود الاجتماعي الأفريقي على أساس الاعتبار الأسطوري. بحيث تُعتبر الحياكة عند الدوكون مثلاً، إعادة إنتاج للعالم وكذلك يُعد مكان النار عند الحداد تشكيلاً للعالم؛ ويبني الهوسا (Haoussa) منازلهم بطريقة ينهجون فيها تنظيم الفضاء الديني.
ثلة
المال وهكذا نجد عند الدوكون إحساساً واضحاً بالمكان وقوة على تمثل صوره الملائمة للتنظيم العام للفضاء الكوني. فعند الدوكون نجد فضاء فارغاً من المادة، على عكس الكوسموكونيات الأخرى التي تنظر إلى الفضاء كفوضى يتكفل الآلهة بتنظيمها.
إن هذا الفهم عند الدوكون يحمل هواجس فكر فلسفي عميق ينظر إلى العلاقة بين الإنسان
(1) انظر تفاصيل نظريته في: Levy Bruhl، la mentalité primitive .
hall be show
والزمن. فالإنسان هو الذي يحدد محتويات الزمن والمكان بصورة مقصودة داخل أفعاله وممارساته الاجتماعية. وإذا كان الفكر الفلسفي الحديث يحاول أن يتعامل مع مفهوم الزمن تعاملاً يختلف من المثالية إلى المادية ومنهما إلى التوفيق بين البعدين المادّي والمثالي الميتافيزيقي، فإن معضلة الزمن ظلت على مر العصور وباختلاف الفلسفات معضلة كبيرة استشكل أمرها على الدارسين ونود أن نشير إلى أن الدوكون ينظرون إلى الفضاء الكوني كفضاء متمدد يمكن أن تضاف إليه أبعاد وأمكنة باعتبار الفعالية الاحتلالية التي يقوم بها الإنسان عندما يتدخل في تحويل أبعاد المكان بوظائف وشعائر
وطقوس يقوم بها.
ولتحديد فعالية الإنسان وشروط تدخله في الفضاء الكوني بصورته الأولى والأصلية، لا بد من الزمن الذي يؤطر أولاً الفعل الإنساني أيّاً كان نوعه والزمن ثلاثة أنواع هي: الزمن الفيزيائي والزمن النفسي والزمن الاجتماعي.
أ - الزمن الفيزيائي: وهو واحد عند جميع البشر ولا يتعلق بأجهزتهم التصورية وتمثلاتهم الذهنية للعالم. إنه زمن تعبر عنه أجسادنا كإيقاع يصاحب حركة الأفلاك من هنا إحساسنا بالموت كلما سرنا مع الزمن سيره إلى النهاية.
ب - الزمن النفسي: وهو أقل وضوحاً من الأول وأشد غموضاً وتعقيداً. فهو قد يتمثل في الفزع ن الذي يصيبنا من مرور الزمن، وهو أيضاً إحساس بالكبر والنضج لدى كل مخلوق على حدة. وأحياناً يكون الزمن خفيفاً يمر بسرعة ويخلق بهجة وأحياناً أخرى يتحول إلى ثقل مريع رهيب يخلف في نفوسنا لوعة وشجى وحزناً.
(251)
ج - الزمن الاجتماعي وهو حاصل تجمع الزمن المادي والزمن النفسي في جماعة من ل الجماعات ويتم توحيد هذا الزمن الاجتماعي بتجاوز الاختلافات الجزئية بين الأوقات الأزمنة النفسية للأفراد)، وذلك بالاندماج في زمن اجتماعي واحد يتيح وحدة المسعى
cret
وتشاكل الغايات وتشابه أفق الانتظار داخل الجماعة المعنية (1). وإذا كان الزمن النفسي والزمن الفيزيائي مما قد يشترك فيه الناس أحياناً بصورة عامة، فإن الزمن الاجتماعي يختلف بالضرورة من جماعة إلى أخرى. ولذلك، فإن تاريخ كل جماعة يختلف بصورة أو بأخرى عن تاريخ جماعة غيرها. بل إن المجتمعات الأفريقية قد نظمت أمنها الاجتماعي في كل جماعة على حدة. وقد وقف الإتنولوجيون على عدد من أشكال تنظيم الزمن لدى هذه الجماعات. وأهم هذه التقاويم أو التواريخ Calendrier Joukoun بشمال نيجيريا و calendrier Yorouba بساحل نيجيريا، و calendrier هي:
calendrier des Achanti، calendrier des ba-congo، des Nuer
(1) انظر حول الزمن الاجتماعي وتشابه الغايات في المجتمع أو الجماعة، كتاب:
L'esprit des lois sauvages، ouvrage collectif، Paris، Editions du Seuil، 1987.
569
568