أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦وإذا تم تحديد الزمن الأوروبي على أساس حركة الأفلاك، فإن الزمن الأفريقي يعتمد أساساً على العادات الاقتصادية والدينية (العقدية) للجماعة.
احتفال
وإذا كان الزمن الأوروبي يقف عند حدود مفهوم الأبد أو الأزل l'éternité) كحد أقصى للزمن. لا يُعْلَمُ ما فيه من وقائع، فإن الزمن الأفريقي يُدْخِلُ مفهوم الأبد ضمن مكونات الزمن العام، بحيث يشكل جزءاً من الكون. وتقع في زمن الأبد وقائع الأسطورة، لأنه زمن الأسطورة بامتياز. وهذا الزمن هو الذي يعاد إنتاجه في لحظات الاحتفال وممارسة الطقوس والشعائر الدينية مثلاً. ويمكن القول إن الفكر التقليدي القديم كان مهووساً بإزالة الزمن. فكل المناسبات والاحتفالات الدينية والعادات التي تذكر بأبطال ماتوا وأمجاد قديمة تهدف إلى إعادة الزمن الأسطوري إلى الحياة من جديد، وذلك باستدعاء أشخاص غير مرئيين وخارجيين لتملك أشياء وحيوانات تقدّمها لهم قرابين خلال الاحتفال رغبةً في إعادة هذه الأشياء التي ماتت واختفت إلى الحياة من جديد، أي إلى أوضاعها القديمة. وهذا ما يُفسر احتفالات نهاية السنة وبداية السنة الجديدة واحتفالات الحصاد ومواسم الحرث والبذر. شاملة
من القناع إلى الشخص: جدل التحول والثبات:
العلا
إن مفهوم الشخص la personne (1) الفرد، كما هو محدد الآن في الغرب، يعود إلى المفهوم اللاتيني (personna) الذي يدلُّ تباعاً على القناع في القديم، ثم الشخص الحقيقي، وأخيراً الفاعل (lacteur). ففي القانون الروماني، تحول الشخص الفرد إلى واقع أساسي يواجه الشيء (res) . ويتكون الشخص من المكانة الاجتماعية والتحملات أو الشرف الذي يحظى به في الحياة المدنية والعسكرية، في المفهوم القانوني بإضافة المدلول الأخلاقي أي الوعي بالوجود المستقل والحر
والمسؤول ..
وإذا كان مارسيل موس (M.Mauss) قد صرّح بأن المسيحية هي التي طورت مفهوم الشخص من مجرد الوضع الاجتماعي والقانوني إلى الإنسان الفرد البشري، فإن دارسي أفريقيا الغربية، ولا سيما مارسيل كريول (Marcel Gridale وجيرمين ديترلو (Germaine Dieterleu) قد اهتما بموضوع الشخص في أفريقيا الغربية وبينا مدى غنى هذا المفهوم وتعقده أيضاً. إذ يقع التقابل بين مفهومين كبيرين هما: الإنسان ككون صغير (microcosme) ، والعالم ككون كبير (macrocosme) . تعال ولا يمكن الوقوف على خواص هذا المفهوم للشخص الأفريقي إلا في إطار دراسة تتناول البعدين الإتنولوجي (العرقي) والاجتماعي في آن واحد وهو ما يسمح بتوحيد مجموع التمثلات التي
صاد
soberbasis itnadoA ab om
(1) انظر حول مفهوم الشخص والشخصية والشخصانية:
يتصورها ذلك المجتمع نفسه في علاقته بالأفراد المكونين له باعتبارهم أجزاء تلتف في سبيل تأليف كل واحد. لج فعلي وللاطلاع على طبيعة هذا المفهوم، نقف عند فئتين عرقيتين هما البامبارا (les Bambara) والدوكون (les Dogon وخصوصاً الدوكون (1). وعلى عكس الشخص في مفهوم الفلسفة الغربية الذي هو منعزل عن الجماعة وأناني بطبعه، فإن الشخص الأفريقي لا وجود له إلا داخل جماعته. بل إن محاولة الخروج عن ميثاق الجماعة والآخرين، هو ضرب من العبث الذي لا يفكر فيه أي أفريقي دام مقتنعاً في قرارة نفسه بأنه مرتبط بالجماعات المكونة لجماعته كالعائلة والسلالة والقبيلة والعشيرة والعرق. . . وعلى هذا الأساس لا تتحدّدُ الشخصية الأفريقية إلا داخل إطار من هذه الأطر، أو داخلها جميعاً باعتبارها السياجات الموضوعية لممارسات الفرد ولتحديد وظائفه داخل البناء الاجتماعي بصورة عامة. إن الشخص الغربي يعيش وضعاً صراعياً وتراجيدياً مع الجماعة، في حين أن الشخص الأفريقي يعيش وضعاً تلاؤمياً توافقياً مع جماعته. الله فهو يحس بانعدام الاكتفاء الذاتي وبالحاجة الملحة إلى الآخر autrui)، وذلك على مستويين
ما
هما
مثال
مستوى الإحساس بضرورة إتمام شروط وجوده الحيوي في دائرة العلاقة الاجتماعية مع الآخرين، أي التواصل اليومي الاجتماعي.
گا
مستوى الإحساس بضرورة التطور داخل الزمن من أجل استكمال عناصر وجوده الاجتماعي في صورة ممارسات ووظائف تبرّرُ مشاركته الاجتماعية وتؤيدها. نلاحظ لدى البامبارا هذا المبدأ الروحي الذي تدل فيه لفظة ديا) Dya) على قدرة الإنسان على الازدواج والظهور في صور مختلفة كالنظر المزدوج (bilocation) أو التنبؤ بالغيب la) (voyance أو التحول (metamorphose)، وهي كلها أشكال للازدواجية الشخصية؛ وهذا أمر لا يقتصر على جماعة البامبارا، بل هو ملحوظ في سائر الجماعات الأفريقية. ويشبهها عند الدوكون مثلاً لفظة nyama وهي تدل على الجزء المتميز من الشخص، فال «نياما) ظل مزدوج وروحي وروح لا تموت (ikiu say مستقلة عن الجسد. فهي قوة تهب للفرد قوته وقدراته الروحية والأخلاقية والفكرية: فهي قرينه الذي لا يرى ولا يلمس، لأن وجوده مقترن بالإرادة الإلهية. والـ «نياما لها ماهية مادية وروحية وهي منتشرة في الكون منذ بدء الخلق أصل العالم. ك تقيلا
(1) إن أهم دراسة اهتمت بشعب الدوكون هي دراسة مارسيل كريول (Marcel Grial) الذي كان خبيراً كبيراً بالحياة الاجتماعية ة لدى هذه الأقلية في أفريقيا الغربية؛ ومن بين أهم دراساته في هذا الموضوع:
Jeux dogons، Paris، Institut d'ethnologie، 1938; «Nouvelles recherches sur la notion de personne chez les Dogons>>، Journal de psychologie normale et pathologique، XL، 4، 1947، pp.425 - 431; «Mythe de l'organisation du monde chez les dogons du Soudan»، Psyché، 6، avril 1947، pp.443 - 453.
571
P. Smith، «Principes de la personne et catégories sociales»، In la notion de personne en Afrique noire، C.N.R.S.، Paris، 1973، PP.467 - 490.
570