أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨وما يوحد بين هذه العناصر كلها هو اتخاذ القناع أساساً لهذه العلاقة مع الآلهة. فالقناع هو الذي يسر سبل الاتصال بالآلهة في نظرهم أكثر من غيره من الوسائط اللغوية أو الدعائية. يلاحظ أن فكرة الاتصال بالآلهة شيء معروف في الإسلام في أفريقيا المسلمة: فالعبد يصل العلاقة بالله عن طريق الأذكار والصلوات والدعوات، ولكنه لا يحتاج إلى قناع مادي يضعه على وجهه، بل يواجه الله بوجهه العاري ولكن المواجهة والاستعداد للاتصال بالله تستلزم من بين ما تستلزمه طقوساً وشعائر تُعرف في الإسلام بالوضوء والطهارة التامة الجسدية والقلبية وتحقيق التخلي عما سوى الله في الاعتقاد لإتمام الاتصال بالله وهذه الاستعدادات تشبه في بعض نواحيها وتوجهاتها الظاهرة الاستعداد للاتصال بالقوى الخفية أو الآلهة عند الدوكون مثلاً. وليقلا فعندهم نظرة إلى الإله باعتباره خالقاً كان في الأصل قريباً من الناس وحياتهم. وهو يدعى «أما» (Amma)، وهو الإله المطلق الذي صمم خلق العالم من سبعة أشياء قبل أن يبدأ خلقه (1). ولخلق الحركة (mouvement/ Bewegung) في الإنسان، أضاف «أما» الإله المطلق مادة ثامنة هي التي تسمح بأن تُخلق الأشياء التامة وغير التامة في الطبيعة وتتيح خلق الأشياء بأشكال مختلفة
وغير منتظمة وفق نظام. واحد.
وهذه المادة الثامنة هي.0 g 0 ولتنظيم فوضى العالم وعدم تجانس مخلوقاته، يرسل الإله المطلق رسولاً مكلفاً بأمره (un Messager/un Démiurge فيمنحه القدرة على تطهير العالم بتقديم نفسه قرباناً وضحية لإعادة النظام إلى العالم.
کال
وهنا أيضاً نلاحظ التواصل بين هذا التصور الوثني لمفهوم الخلق ونظرية الخلق في الإسلام. فبدل المواد في التصور الوثني عند الدوكون، فإن الإسلام يستعمل الأيام زمناً للخلق؛ وبدل أن يقدم الرسول نفسه ضحية، وقرباناً فإنه يقيم العدل وينشر مبادئ الدين في الأمة، في حين أن المرسل الوثني يصير ضحية وقرباناً يُطهر العالم من الشر والفوضى في تصور ور الدوكون (2)
ويلاحظ أن ربط العلاقة بين الناس والإله المطلق بواسطة استدعاء الأجداد القدماء يشبه ربط الاتصال بالله عن طريق التبرك بالأولياء والصالحين باعتبارهم أصل الشرف والانتماء السلالي الشريف. وهذا يبيّن أثر الإسلام - الذي كان منتشراً منذ القديم في هذه المناطق ـ في تطور بعض الطقوس والشعائر القبلية الأفريقية، وإن ظلت هذه الأخيرة وثنية الاعتقاد.
مشكلات منهجية في شكل خاتمة مفتوحة:
elle laces
تها إلى بالجال
موانا
نختصر عدداً كبيراً من المشكلات المنهجية التي تعترض البحث في موضوع القناع وأدواره في
الثقافة الأفريقية في ما يلي:
(1)
(2)
Alassance Ndaw، la pensée africaine، Dakar، les Nouvelles éditions africaines، 1983.
Paques Viviana، les Bambaras، éd. P.U.F.، Paris 1954، p.159.
S
1 - إن التاريخ والإنثولوجيا لا يكفيان دائماً لحل معضلات في التاريخ الشعائري الأفريقي الموغل في القدم، لأن الشعائر والطقوس من العلامات التي تشكل جزءاً من رأسمال ثقافي هو الرصيد المنسي في الدراسات الأفريقية في كثير من المونوغرافيات التاريخية ذات الطوابع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، أو في كثير من الأبحاث الأركيولوجية ذات الطوابع المعمارية والباليونتولوجية. ومن هنا يلزم أن يضاف إلى علمي التاريخ والإتنولوجيا علم العادات والتقاليد والشعائر والطقوس والأديان أي علم التنقيب عن الوثائق غير الرسمية أو الدلائل الهامشية ومن بينها القناع ال
2 - لدراسة القناع في المجال الأفريقي القديم لا بد من علمين هما السميولوجيا التي تدرس الإشارات والدلائل بصفتها أنساقاً دلالية وفضاءات تتيح تشكل المقامات والسياقات الدلالية المتمايزة والمتبانية. فلا مفر من تطوير دلائلية أو سميولوجيا للقناع (Semiologie du masque) على غرار سميولوجة النص Semiologie de textes) التي بلغت درجة من الدقة في التخصص استحققت معها أن تحول اسمها إلى سيميائيات للنص Semiotique du texte)، وهي العلم الذي يحاول قراءة النص كمجال دلائلي وحقول مفهومية ودلالية وقطاعات تشاكلية secteurs) isotopiques . فينبغي التفكير في إقامة سيميائية للقناع لقراءة ملامح القناع وسماته وللكشف عن قوته الرمزية وغناه الدلالي وحمولته الفكرية. وهذا ما اجتهدنا في بعض نواحيه في دراستنا هذه. أما العلم الثاني فهو الأركيولوجيا بما هي بحث في الحفريات المهملة والثاوية في بطن الأرض أو في المغارات والكهوف ذات الطابع البدائي الذي يلفه دثار كثيف من الغموض ويحبل بالأسئلة التي تقض مضجع الباحثين في الدراسات الإنسانية، ولا سيما في دراسة
،
الظواهر الخفيّة كأدوار القناع أو القوى الخفيّة التي توجهه.
3 - لا مناص من استغلال علمين آخرين من أجل تطوير منهج مفيد لقراءة الأقنعة الأفريقية، وهما علم الفلسفة بما هو مجال للأسئلة الوجودية والأخلاقية والمعرفية ولا سيما مجال الأسئلة الوجودية الذي يدعى بالأنطولوجيا (Ontologie) وعلم النفس الاستبطاني Psychologie) introspective من أجل البحث عن الحقائق الدقيقة في النفس الإنسانية من خلال ملاحظة الملامح المرسومة فوق القناع والسعي إلى فك ألغازها ومعمياتها بأسلوب الاستبطان الذاتي الذي يحاول فيه المحلل النفسي أن يحدس الحالة المدروسة والسبب الذي يدعونا إلى اختيار منهج الاستبطان في دراسة ظواهر القناع أحياناً. هو ما نلاحظه من تشابه الأحاسيس والمشاعر إزاء الأسئلة الوجودية الكبرى المرتبطة بالإنسان وأحوال وجوده من خوف وسعادة وانشراح وكآبة. ويمكن قراءة ملامح هذه الحالات على الوجوه الحقيقية للبشر أو على الأقنعة التي رُسمت عليها هذه الملامح.
4 - إن تعدد أنواع الأقنعة شيء ثابت لا مجال لإنكاره. وإذا كانت الأقنعة بهذا التنوع والغنى بحيث تكون لكل حضارة أقنعتها وصور وجوه قد جمدَتها في الزمن واتخذتها قطعاً من وجود
575
574