أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥دخل أجدابيا واشتهرت طرابلس بمركزها التجاري كمحطة للقوافل القادمة من المشرق إلى المغرب وبالعكس، وكميناء تصدر منه إلى موانئ أوروبا ما يرد إلى طرابلس من أواسط أفريقيا والواحات. موانئ او ة كانت القبائل الأمازيغية عشية الفتح الإسلامي موزعة في الشمال الأفريقي على عدة مناطق وكانت ذات نفوذ فيها، فكان نفوذ القبائل الرئيسة مثل لواتة وزناته ومصمودة وصنهاجة في أفريقيا والمغرب الأوسط والأقصى وجنوب المغرب الأقصى باتجاه السودان ولعبت كل قبيلة دوراً هاماً في منطقة نفوذها بالنسبة للتجارة في الشمال الأفريقي. فكان وجود لواته على سواحل طرابلس وبرقة والواحات التابعة لها من العوامل التي ساعدتها على السيطرة على الحركة التجارية والنشاط الاقتصادي بين بلاد السودان وموانئ البحر المتوسط بالإضافة إلى أنها كانت محطة للقوافل بين مصر والمغرب ذهاباً وإياباً .. كما لعبت كتامة وزناتة دوراً كبيراً في تنشيط تجارة المناطق الواقعة شرقي الجزائر وغربيها أما صنهاجة فقد أسهمت في التجارة الصحراوية بحكم وجودها في منطقة السوس الأقصى ودرعة وسيطرت مصمودة على منطقة جبال الأطلس فكانت لها علاقات تجارية مع بطون القبيلة المتمركزة على طول شاطئ المحيط الأطلسي.
أما قبيلة مكناسة البدوية فكانت تنتشر على وادي نهر ملوية وكانت محطة للقوافل التجارية القادمة من المغرب الأوسط والمتجهة إلى المغرب الأقصى والسودان.
،
11? 20
ثم كان الفتح العربي الإسلامي. فكان فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص سنة 21 هـ، وما تبع ذلك من فتح لبرقة وطرابلس الغرب سنة 22 هـ على يد عمرو بن العاص، ثم على يد عبد الله بن سعد ابن أبي سرح وتوالت الفتوحات بقيادة عقبة بن نافع القرشي وأبي المهاجر دينار وزهير بن قيس البلوي ثم حسان بن النعمان وموسى بن نصير إلى آخر أعمال الفتح خلال القرن الأول الهجري وما بعده. واستقر الإسلام بين أغلب قبائل وسكان المغرب العربي، وقراه من إقليم برقة شرقاً إلى آخر المغرب الأقصى غرباً. ويهمنا أن نشير إلى أن عقبة بن نافع كما توغل في الفتح في شمال أفريقيا إلى المغرب الأوسط والأقصى، فقد توغل في الصحراء، كما تذكر الروايات أنه فتح جربة وقصور فزان وعاد إلى زويلة. ويشير البكري إلى أن عمرو بن العاص أرسل بسر بن أرطاة إلى ودان سنة 23 هـ فافتتحها، ثم نقض أهلها عهدهم ومنعوا ما كان بسر فرضه عليهم، فافتتحها عقبة ثانية (1)، ثم انصرف إلى القيروان التي اختطها سنة 50 هـ لتكون قاعدة متقدمة وملاذاً يلجأ إليه المسلمون أثناء عمليات الفتح، وتذكر روايات أخرى أن عقبة بن نافع قد أتم عمله متوغلاً في جنوب الصحراء، ففتح إقليم كوار الذي أصبح يكمل الطريق إلى السودان التشادية، وأصبحت أقاليم فزان وودان وكوار مراكز مهمة لنشر الإسلام فيما بعد، بل أصبح بين سكان كوار، وهم أفارقة من التبو والكنوري والفوليا، عرب ينتسب الغالبية العظمى منهم إلى العرب الأوائل الذين دخلوا مع عقبة بن نافع، واعتنق التبو
(1) البكري، المسالك 2 660 ويذكر العمليات العسكرية التي قادها عقبة وكيف أخضع ملوك الدواخل في هذه الأقاليم التي ماء كانت العليم المحايا)
توغل فيها.
Lazal، dap
والكنوري والفوليا الإسلام وكان لهم فيما بعد دور عظيم في نشره في أفريقيا. ويرد أول نص عن السودان الغربي عند ابن عبد الحكم في حديثه عن حملة جردت إلى السوس الأقصى أي جنوب مراكش والسودان سنة 116 هـ. فقال: وغزا عبيد الله بن أبي عبيدة الفهري
السوس الأقصى وأرض السودان فظفر بهم ظفراً لم ير مثله وأصاب ما يشاء من ذهب. . . (1). وكان للتجارة والتجار دور كبير بعد أن استتب الأمر للإسلام في أقطار شمال أفريقيا، واتجاه التجار إلى أواسط أفريقيا وغربها وازدهرت التجارة بصورة عظيمة منذ بداية القرن الثالث الهجري وخلال القرن الرابع، وقد ساعد هذا النشاط التجاري السلمي على نشر الإسلام، لا سيما في المناطق الصحراوية من المغرب وخاصة في أقطار جنوب الصحراء وقد تطورت العلاقات التجارية بين القيروان وبلاد السودان منذ عهد عبد الرحمن بن حبيب الفهري (127) - 132 هـ) الذي نظم طريق القوافل بين جنوب مراكش وأودغشت، وذلك بأن حفر عدة آبار على هذه الطريق لتكون محطات تتزود فيها قوافل التجارة بالماء بين واحات أفريقيا ومدينة أودغشت واستطاع جنوده بفضل هذه السياسة أن يعبروا الصحراء وأن ينشروا الإسلام بين القبائل في ربوعها. كما استطاع التجار أن يتصلوا ببلاد الملثمين وبلاد السودان عن طريق ساحل المحيط أو عن طريق الصحراء الذي أصلحه عبد الرحمن بن حبيب، وأصبحت أو دغشت ذات شأن كبير في التجارة حتى قبل أن يفتحها المرابطون، وكانت مدينة إسلامية يذكر البكري أنها بها جامع ومساجد كثيرة آهلة في جميعها المعلمون للقرآن» (2). ويورد ياقوت الحموي أنها أسلمت على يدي عبيد الله المهدي (ت 296 هـ) إذ يقول: وأهلها مسلمون يقرأون القرآن ويتفقهون ولهم مساجد وحمامات أسلموا على يد المهدي عبيد الله وكانوا كفاراً يعظمون الشمس ويأكلون الميتة والدم (2). والأرجح أن إسلام أودغشت قد تم في مراحل سابقة بواسطة التجار الذين كانوا يفدون إليها، إذ كان مركزها التجاري يجلب إليها جاليات عربية من كل مكان مما أدى إلى انتشار الإسلام وربما كانت المرحلة الأخيرة على يدي عبيد الله المهدي، إذ أن دخول الإسلام إلى غربي أفريقيا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجارة، فكان التجار إلى جانب أعمالهم التجارية يقومون بالدعوة إلى الإسلام لدرجة أن تداخل عمل التجار وعمل العلماء ودعاة الإسلام، وقد يجتمع الدوران - التجارة والدعوة - في شخص رجل واحد. وكان سلوك التجار وقيامهم بأداء شعائر دينهم دعوة حية تجذب أهل البلاد الأصليين إلى الاقتداء بهم والإطلاع على دينهم واعتناقه. وكان كثير من أتباع المذهب الإباضي قد جمع بين التجارة والدعوة في غرب أفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي الثاني الهجري). وقد أدى استقرار الإباضية على أطراف الصحراء في واحات فزان وجبل نفوسة وغدامس وواحات الجزائر منذ القرن الثاني الهجري إلى ارتباطهم بتجارة الصحراء، وعزز من ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزناتة للمذهب الإباضي
(1) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب،: 217. (2) البكري المسالك، 2: 848 (3) ياقوت، معجم البلدان، 1: 278.
خلقه (1)
609
608