أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦وتخصص كثير منهم في التجارة عبر الصحراء وسرعان ما انتظمت تجارة الإباضية في زويلة تحت إمارة بني الخطاب منذ تأسيسها عام 762 م (145 هـ)، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية الإباضية في تاهرت عام 776 م (160 هـ) منذ أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية ما بين سجلماسة وزويلة التي دخلت ضمن دائرة نفوذها واهتم الرستميون بالتجارة وطرقها، وحفروا الآبار للقوافل في المناطق الداخلية في الصحراء، وأرسلوا الجنود صحبة التجار لتأمينهم من غارات البدو. ولم تقتصر جهود الإباضية في نشر الإسلام على نشاط التجارة فقط بل كانت لهم برامج مخططة لأهل الدعوة تضمنها نظام العزابة واقترن ذكر الكثير من فقهاء الإباضية بغرب أفريقيا في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ولعل كثيراً من تلك المناطق قد اعتنقت الإسلام على أيدي الإباضيين. فقد ذكر الشماخي أن بلاد السودان بغانة وما يليها كانت تدين بالمذهب الإباضي حتى تسامعت معهم المخالفون، فقصدوها من كل أوب فردوهم إلى مذهبهم ويظهر هذا النص مدى انتشار وغلبة المذهب الإباضي في هذه المناطق قبل وصول الأعداد الكبيرة من فقهاء ودعاة المذاهب الأخرى. وقد أتيح للمذهب المالكي فيما بعد أن يسود بفضل حركة المرابطين في الصحراء الغربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي الخامس الهجري على حساب المذهب الإباضي، الذي كان له فضل نشر الإسلام واللغة العربية التي تنتشر بانتشاره وتترسخ باستقراره في أي قطر دان أهله
بالإسلام.
وكانت تاهرت عاصمة الدولة الرستمية الإباضية، التي نشأت سنة 144 هـ واستمرت إلى سنة 296 هـ مركزاً تجارياً وثقافياً هاماً فبالإضافة إلى القبائل البربرية البترية نزحت جماعات عربية من الأمصار الإسلامية إلى تاهرت فكانت لها خطط بها وشجعها على ذلك ازدهار المدينة الاقتصادي. وقد شجع بنو رستم هذه الهجرة العربية وبنى العرب الدور والمساجد وكانت أكبر الهجرات من الكوفة حتى أصبح يطلق على تاهرت عراق المغرب، وقد ساعد إباضية البصرة هذه الدولة الرستمية الفتية، فأرسلوا لها الوفود والأحمال من الأموال إذ اعتبرها إباضية البصرة نواة لدولة إباضية كبرى تضم المشرق والمغرب. وقد اشتهرت المدينة بالأمن على النفس والمال فهاجر إليها التجار من المشرق والمغرب، كما أصبحت ذات شأن فى التبادل التجاري بين بلاد السودان والمغرب والمشرق وسواحل البحر المتوسط، وأصبحت هذه المدينة ملتقى ساعد على تعريب الوافدين إليها للتجارة أو السكن أو المرور بها، كما كان لقوافل الحج التي تخرج من القبائل الأمازيغية سنوياً إلى المشرق وتستغرق فترة طويلة في رحلتها أو إقامتها في المدن التي تمر بها دور ملحوظ في تعريب أهل هذه القوافل وتعلمهم القرآن الكريم وأحكام الشريعة. ويروى أن جموع نفوسة كانت تخرج للحج رجالاً
ونساء وأطفالاً.
وقد برز عدة علماء من الأمازيغ في المذهب الإباضي حتى روى أن عبد الرحمن بن رستم (1)، وأصبح جبل نفوسة مركزاً هاماً لحقه بسوق أجج ستون شيخاً من شيوخ الإباضية من طرابلس يسو وحجم
(1) الدرجيني، طبقات 2: 291.
(0)
للفقه والثقافة الإباضية التي تعلم باللغة العربية (1). وقد كان أبو عبيدة الجناوني عامل الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم قد أخذ العلم بالبصرة، وأجاد ثلاث لغات: الأمازيغية والعربية والكانمية لغة كانم ببلاد السودان)، ومكث الإمام عبد الوهاب نفسه سبع سنوات بجبل نفوسة يعلم فيها مسائل الصلاة وتذكر المصادر رحلة ثلاثة من حملة العلم الإباضي إلى البصرة في بداية القرن الثاني الهجري وهم عاصم السدراتي وإسماعيل بن دردار الغدامسي وأبو داوود القبلي النفزاوي، ثم لحق بهم عبد الرحمن بن رستم (وهو) (فارسي) وأبو الخطاب المعافري (وهو عربي). وقد كان للثلاثة الأول فضل وضع النواة الأولى للأسس التعليمية في الأرياف المغربية، مثل سدرانة وغدامس ونفزاوة، كما كان للرستميين فضل ازدهار العلوم الإسلامية والأدبية في المغرب الأوسط والأدنى، وقد بذلوا الأموال في جلب الكتب من المشرق ونسخها، وفي مقدمتها الكتب التي تتعلق بالمذهب الإباضي والكتب العلمية في مختلف العلوم، غير أن عبيد الله الشيعي عندما دخل تاهرت سنة 296 هـ حرق الكتب الإباضية وأبقى على غيرها من الكتب العلمية … وإذا كان لانتشار المذهب الإباضي الفضل في انتشار اللغة العربية في أقاليم المغرب الذي ساد فيها، فإن له الفضل أيضاً في انتشار الإسلام واللغة العربية في أقاليم الواحات التي هي باب إلى أواسط وغرب أفريقيا وكان للمدن الإسلامية الكبرى التي أصبحت في المغرب وغربي ووسط أفريقيا مراكز للثقافة الإسلامية واللغة العربية مثل القيروان وتاهرت وفاس وسجلماسة وطرابلس وتمبكتو، كان لهذه المدن الفضل الأكبر في نشر الدعوة الإسلامية في ربوع أفريقيا في مختلف العصور، وقد تعربت القبائل الأمازيغية التي التفت حول الدول التي أنشأت المدن التي صارت عواصم لها، مثل مدينة فاس التي أسسها إدريس بن عبد الله سنة 172 هـ بعد أن أيدته أكبر قبيلة أمازيغيية بأساً وقوة وهي قبيلة أوربة ولحقت بها القبائل الريفية الأخرى، مثل زناتة وزواغة وزواوة ولماية ونفزة ومكناسة، ودخلت في طاعته وبايعته إماماً (2)، وكون منهم جيشاً كبيراً، فغزا بلاد تامسنا إماماً (2)، وتادلا، وكان أكثر هذه البلاد على النصرانية واليهودية، فأسلموا على يديه. وفي سنة 193 هـ بنى إدريس الثاني فاس في غربي مدينة أبيه، وبنى سورها ومسجدها المعروف باسم مسجد الأشراف، وأطلق عليها اسم العالية. وسبب بنائه لفاس الجديدة كثرة الوفود العربية عليه من كل الأصقاع، فكانت هذه المدينة ذات طابع عربي، فاجتمع لديه عرب من قيس والأزد ومذحج ويحصب، بالإضافة إلى العرب الوافدين فراراً من الأغالبة وكانوا في ثلاثمائة، بيت والعرب الأندلسيين الذين وفدوا إلى المغرب بعد وقعة الربض في أيام الحكم بن هشام وكان عددهم يقدر بأربعة آلاف أهل بيت (3). وقد ساعدت هجرة العرب إلى المغرب الأقصى على نشر اللغة العربية في هذا الإقليم، وأصبحت فاس مدينة عربية كبرى تنافس تونس والقيروان، وقرطبة وانطلقت منها حركة التعريب نحو
(1) المصدر نفسه. (2) السلاوي، الاستقصا 1: 153 - 156.
(3) المصدر نفسه:1 163 166 - 167 arabie
الا براي (1)
611
610