أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧المناطق المجاورة. وقد مر بنا الدور الذي لعبته تاهرت عاصمة الرستميين كمركز ثقافي واقتصادي إلى أن غزاها عبيد الله الشيعي سنة 296 هـ.
كان لحركة التجارة أثر في التعريب، فقد استقرت جاليات عربية بالمدن الكبرى لغايات تجارية، فأسهمت في حركة التعريب كاستقرار التجار الأندلسيين في بونة وتاهرت ووهران. كما سكنت جاليات عربية من البصريين والكوفيين مدينتي تاهرت وسجلماسة، وهما من أبواب الصحراء، ومراكز أساسية لتجارة الذهب والرقيق الواردة من بلاد السودان جنوب الصحراء. وكان لاختلاط القبائل والبيوتات العربية مع الأمازيغ أثر في تعريب هذه القبائل الأمازيغية التي أقام المهاجرون العرب بينها، وحصل تزاوج بين الأسر العربية والأمازيغية بحكم الجوار، فنشأ جيل من المولدين. كما يذكر البكري وابن عذاري أمثلة لذلك في مدن بنطيوس جنوب بسكرة وقسنطينة وطبنة، وسكنت بعض الجاليات العربية في أرباض برقة وتوالد الجند هناك حتى صار لهم الأولاد والأعقاب. وكان في حصن لبدة قوم من العرب عددهم نحو ألف فارس يحمونها من غزوات المناوئين من الأمازيغ. وكان في مدينة ودان قبيلتان من العرب السهميين والحضرميين ومنهم القراء والفقهاء والشعراء (1)
ولعل أكبر الهجرات العربية كانت هجرة بني هلال وبني سليم الذين بلغ عددهم حوالي أربعمائة ألف نزحوا من صعيد مصر إلى برقة سنة 442 هـ، بناء على تعليمات الخليفة الفاطمي المستنصر، الذي أشار عليه بذلك وزيره الحسن بن علي اليازوري انتقاماً من المعز بن باديس، الذي خلع طاعة الخلاقة الفاطمية التي كان يتبعها وخطب للقائم بأمر الله الخليفة العباسي. استقر بنو سليم في برقة وطرابلس، وواصل بنو هلال رحلتهم إلى تونس، وبلغوا حدود الجزائر سنة 460 هـ. وإن عاث هؤلاء الأعراب في مدينة القيروان إلا أنهم أسهموا في تعريب القبائل التي لم يتم تعريبها واختلطوا بهم، فكان لهم أثر حاسم في التعريب وقد أكد هذه الحقيقة المستشرق الفرنسي لوترنو Le Tourneau، وإن كان يرى أن تأثيرهم في أسلمة المناطق التي احتلوها أو عاشوا فيها أقل بكثير من تأثيرهم في تعريبها، لأنهم قبائل رحل ليسوا على درجة عالية من الثقافة أو التعليم (2)، وإن كانوا عرب اللسان والعادات. وقد بلغ من تأثيرهم في تعريب الأمازيغ أن أصبحت اللغة العربية لغة التخاطب بينهم واستمر التعريب في القرون اللاحقة حتى لم تبق الأمازيغية لغة تخاطب إلا بين قبائل جرجرة وقبائل أوراس.
وقد كان لتنقل القبائل العربية بين الواحات الصحراوية واجتيازهم إلى أواسط وغرب أفريقيا أثر كبير في امتزاج العنصرين العربي والأمازيغي مع سكان البلاد الأصليين في الممالك التي نشأت هناك. فمملكة كانم التي قامت شرقي بحيرة تشاد وامتدت في الشرق حتى بحر الغزال، كان سكانها خليطاً من أهل كانم الأصليين، وهم الكانمبو، وهم شعب سوداني أفريقي أصيل، ومن جماعات
الطنجورية، وهم عرب ترجع أصولهم إلى بني هلال وقد هاجروا بعد القرن العاشر الميلادي من تونس إلى طرابلس ثم إلى فزان ومن هناك تفرقوا فتوجه بعضهم إلى واداي، وبعضهم إلى كانم. وتفرق الآخرون في بلاد التويو، والبرتو والعنصر الأظهر في التكوين البشري لمملكة كانم هو العربي. وهؤلاء هم نفس أولاد سليمان والشُّوّا الذين منهم جماعات في واداي. وهؤلاء الشوا في واداي وكانم والبرنو أصولهم البعيدة ترجع إلى جنوبي تونس ويتبع معظمهم الطريقة التيجانية، وربما يرجعون إلى شاوية المغرب.
علي
فاشتد
وكان لهجرة جماعة من زغاوة - ويسميهم ابن خلدون زواغة - أصحاب السيادة في دار فور وواداي إلى كوار، ومنها دخلت إلى كانم وأنشأت فيها دولة صغيرة، ثم أقبل عرب طنجور الهلالية، ساعد الدولة في القرن السابع عشر الميلادي وزواغة وهي في الأصل قبيلة من بهم الصنهاجيين، كانوا يقيمون قريباً من منازل كتامة على ساحل البحر المتوسط إلى غربي مدينة بجاية، ثم هاجرت زغاوة (أو زواغة إلى بلاد الجريد جنوبي تونس ثم إلى طرابلس، ومن هناك أخذوا طريق فزان وكوار، وأفضوا إلى إقليم بحيرة تشاد ثم اتجهوا شرقاً، فاستقروا في إقليم دارفور، ودخلوا هذه البلاد وهم مسلمون يحملون جانباً كبيراً من الثقافة العربية الإسلامية، فأنشأوا المساجد
(1)
في بلادهم الجديدة التي أصبحت مركزاً من مراكز انتشار الإسلام وثقافته واللغة العربية في السودانين النيلي والتشادي). وعن طريق فزان أيضاً عبرت بقايا الملثمين واللمتونيين والمسوفين إلى السودان التشادي، وهم في صميمهم مرابطون، بعد أن قضى عليهم أبو العلا السعيد الموحدي، الذي أوقع بالملثمين عند ودان وشردهم فيما يليها جنوباً من رمال الصحراء وواحاتها.
وكانت لواداي تجارة واسعة مع مصر وطرابلس الغرب. وقد استوطنها جماعات مختلفة عربية، كالزبيدية والعريقات وعرب البحر، وكانوا في الشرق وكان المحاميد في الشمال وعرب المسيرية في الجنوب. وكانت هناك جماعات عربية منتشرة في كل الأصقاع مثل السلامات والجعاتنة وبني راشد.
أما إقليم برنو فكان إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي دولة إسلامية ذات نظام وسلطان و تاريخ، وكانت تنشر سلطانها على إقليم فسيح شرقي بحيرة تشاد بل مدت سلطانها في فترة من الفترات على مملكة الكانم غربي البحيرة وقد بلغت أوجها خلال القرن السادس عشرة الميلادي العاشر الهجري ولم ينته تاريخها كدولة مستقلة إلا في سنة 1906 عندما احتل الفرنسيون البلاد، وقتل في الميدان فضل الله بن رباح آخر ملوك البرنو من نسل الأمين الكانمي المعروف بالشيخ لمينو. وجدير بالذكر أن الشيخ محمد الأمين الكانمي محمد الأمين الكانمي أصله من فزان وهاجر إلى البرنو، وأنشأ هناك أسرة حاكمة منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. استمرت الهجرات من شمال أفريقيا إلى أواسط أفريقيا وغربيها. وكان بعضها يخرج من ربوع
Trimingham، J.S.، Islam in West Africa، pp. 17/18/100.
613
الفة
ا (ع)
(1)
Le tourneau، North Africa: Regorism and Bewilderment، p.235.
612
(1) البكري المسالك 2: 656، 658 - 659.
160
(2)