أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

ليبيا أو عبرها. فمن الهجرات التي خرجت من ليبيا هجرة بعض قبائل أولاد سليمان بعد سنة 1842 م، إثر هزيمتهم على أيدي العثمانيين عندما ثار زعيمهم سيف النصر على الحكم التركي، وكان معهم في هجرتهم أو بعدهم قبائل عربية ليبية أخرى من ورفلة والقذاذفة ثم كانت هجرات أخرى مكثفة بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا سنة 1911 م، ونزوح بعض القبائل الليبية إلى تشاد قادمة من فزان وسرت وكذلك بعض من قبائل زوية والمغاربة وكانت قبيلة المجابرة، بحكم اشتغالها بالتجارة بين أواسط أفريقيا وواحات ليبيا ومدنها تجوب الصحراء، ويقيم بعضها في أقاليم جنوب الصحراء حتى قبل الغزو الإيطالي. وكان هناك تجاور ومصاهرة بين هذه القبائل الليبية وبين من جاوروهم في تشاد ومالي والنيجر. وقد كان لهذا الاختلاط أثره وتأثيره في تعميق فهم اللغة العربية والعادات العربية وكثير من مظاهر السلوك الإسلامي، خاصة بعد أن أنشئت الزوايا الدينية في هذه المناطق كما سنذكر

لاحقاً. الصلة بين من تلاميذه من جدالة

وكان نتيجة لسيطرة المذهب المالكي ـ كما ذكرنا سابقاً ـ في أواسط أفريقيا وغربيها أن توثقت هذه الأقاليم وبين بقية أقطار المغرب العربي. وكان للدور الذي قام به المرابطون الفضل الأكبر، ممثلاً في الدور الذي لعبه عبد الله بن ياسين فقيه لمتونة في نشر الإسلام وترسيخ المذهب المالكي بين السكان في الصحراء وحوض نهر السنغال. وتجمعت طائفة ومسوفة ولمتونة، وقد اعتنق زعماء لمتونة وجدالة الإسلام على مذهب الإمام مالك، وأنشأ عبد الله ابن ياسين رباطاً في جزيرة عند مصب نهر السنغال، ونشر حركة الجهاد في سبيل الله. وكان يهدف إلى جوار نشر الإسلام بين أهل السودان أن ينشر مذهب الإمام مالك الذي صارت له السيادة في أواسط وغرب أفريقيا، بل وفي السودان، رغم وجود بعض المذاهب الأخرى كالشافعي والإباضي وهو مذهب سني كان له الفضل في نشر الإسلام واللغة العربية كما بينا في الصفحات السابقة.

كما كان للطرق الصوفية شأن أي شأن في أواسط وغربي أفريقيا، ومنها القادرية والتيجانية والشاذلية. وكانت أوراد مريديها وحلقات الذكر فيها باللغة العربية وكان للزوايا التي أقامتها هذه الطرق أثرها التعليمي والديني بين أتباع هذه الطرق، وهم جميعاً مسلمون يتبعون المذهب المالكي. وقبل أن تؤسس الطريقة السنوسية زوايا في أقاليم السودان وأواسط أفريقيا وغربها ـ كما سنبين فيما بعد ـ فقد وجد علماء فزانيون جاؤوا إلى بلاد الهوسا أمثال الشيخ رمضان بن أحمد الذي استوطن بلدة زنفرا (زاريا، الهوسية وكان من المؤلفين للكتب، وقد ذكر بللو، بعضها، كما عرف العلماء أحمد الفزاني بن محمد بن محمد بن يعقوب الذي تتلمذ على والد الودانيون في تنبكتو، منهم سيدي أحمد بابا (1). وكانت تمبكتو مركزاً تجارياً وعلمياً متميزاً قصدها الرحالة الأوروبيون، وكان يصدر

الكات

(1) ذكر الدكتور مهدي رزق الله أحمد أنه يقصد بودان هذه مدينة ودان في موريتانيا، وقد اشتهرت بكثرة علمائها، ولكننا نرجح أنها ودان التي تقع في جنوب ليبيا، وليست وادان في موريتانيا خاصة وأن لقب العالم المذكور، أي الفزاني، يؤكد نسبته إلى فزان في ليبيا. انظر المهدي رزق الله، أحمد التعليم الإسلامي في غرب أفريقيا قبل الاستعمار، ص 56 من الجزء الخامس من كتاب الحضارة الإسلامية (منشورات مجمع بحوث الحضارة الإسلامية في الأردن).

،

منها الذهب الخام (التبر)، وعرف بها علماء متميزون في المذهب المالكي واللغة العربية. وكانت تجارة الكتب من أهم عروض التجارة فيها. وقد ذكر الحسن الوزان (ليون الأفريقي) أن الكتب المخطوطة كانت تأتي من بلاد الأمازيغ (المغرب) لتباع فيها، ويجني من هذا البيع ربح يفوق كل بقية السلع (1). ويوجد في تمبكتو العديد من القضاة والعلماء والأئمة ولجميعهم مرتبات طيبة من الملك. ومن المعروف أن الحسن الوزان الذي توفي سنة 1552 م (944 هـ) قد زارها في رحلته الثانية سنة 1512 م، قبل أن يسقط في الأسر سنة 1518 م (926 هـ).

،

،

استمرت الصلاة بين مدن وواحات ليبيا وبين مناطق جنوب الصحراء وغرب أفريقيا ممثلة في عروض التجارة والقوافل التي تنقلها، وقد أورد لنا الرحالة الأوروبيون، ومنهم بارث Barth ولايون Lyon و هورنمان Horneman ورولفس Rohlfs ونشتغال Nachtigal وفيرلونج Furlong، الذين زاروا إقليم فزان في نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر معلومات وافية عن تجارة القوافل التي كانت بين أواسط وغرب أفريقيا وبين مرزق وجالو وأوجلة وغدامس ومنها إلى مدن ليبيا الساحلية خاصة طرابلس وبنغازي ومنهما تجد طريقها إلى مدن جنوب أوروبا وبالعكس، حيث تصدر أوروبا كثيراً من منتوجاتها إلى أواسط أفريقيا عن طريق مدن ليبيا وواحاتها الصحراوية. وقد ذكر هؤلاء الرحالة الأوربيون عروض التجارة المتنوعة التي كانت تتبادلها المدن والواحات الليبية مع الأقاليم والمدن الأفريقية في أواسط القارة وغربها. وقد أمن سلطان فزان محمد بن سلطان منصور هذه التجارة والقوافل التي تحملها ذهاباً وإياباً (2). ويذكر الرحالة الألماني رولفس أن اللغة الكنورية، وهي لغة إقليم برنو، كانت معروفة في فزان عندما زارها وأن سوقاً للتجارة من منتجات السودان كانت في مرزق، وكان بها أمير من التبو اسمه مينا آدم شقيق ملك كاوار وأراد رولفس أن يصحبه في قافلته إلى كاوار وإذا كانت التجارة وقوافل الحج التي تعبر ليبيا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب وبالعكس قد وطدت العلاقات بين هذه الأقاليم في شمال أفريقيا ووسطها وغربها، وامتزاج القبائل العربية والأمازيغية مع سكان أواسط أفريقيا، وانتشار الإسلام ودخول الطرق الصوفية وقبلها المذهب الإباضي ثم المالكي قد وطدت هذه الوشائج وزادتها قوة فإن التواصل العلمي والديني قد ازداد بانتشار الزوايا الدينية، التي أنشأتها الحركة السنوسية، التي بدأت نشاطها الديني بادئ الأمر بإنشاء مؤسس الطريقة السيد محمد بن علي سنة 1843 م (1259 هـ). وكانت زاوية البيضاء، التي أنشأها رسالتها نشر تعاليم الإسلام الصحيح وتعليم أبناء القبائل القرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغوية

(3)

(1) الحسن بن محمد الوزان وصف أفريقية، ص 541.

(2)

Horneman، F.، Jounal … Travels from Cairo to mourzouk PP.64 - 65.

من القاهرة.

وقد قام هورنمان برحلته من القاهرة إلى مرزق سنة 17981797 وكان مرافقاً لإحدى القوافل القادمة. (3) رولفس، مشاهدات الرحالة الألماني رولفس في ليبيا وبرنو وخليج غينيا، ص 292 295 قام رولفس برحلته سنتي 1875.1874 م.

ni melal، 2.LT

615

614