أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

وغيرها من العلوم. ثم توسع في إنشاء الزوايا في مختلف أنحاء ليبيا في المدن والقرى والواحات، ونقل نشاطه من الزاوية البيضاء إلى الجغبوب التي انتقل إليها وجعلها المركز الرئيسي للدعوة منذ سنة 1856 م (1273 هـ)، وكانت نموذجاً لبقية الزوايا من حيث التعليم الديني والنشاط المهني والاجتماعي والإداري وأراد بانتقاله إلى الجغبوب أن يبتعد عن سيطرة الإدارة العثمانية من ناحية، وأن يتصل نشاطه الديني بأواسط أفريقيا من ناحية أخرى. وقد أصبحت الجغبوب فيما بعد مركزاً علمياً ودينياً عظيماً. وقد انتشرت الزوايا وتعددت إلى أن أصبح عددها في عهد السيد المهدي 146 زاوية في مختلف أنهاء ايبيا ومصر وتونس وأفريقيا. وكان منها في بلاد السودان أي في أقاليم وأقطار جنوب الصحراء وغرب أفريقيا 20 زاوية (1). وكانت زاوية الجغبوب والكفرة وغيرها من الزوايا في ليبيا تستقبل أبناء القبائل السودانية من تشاد وواداي وبرنو والنيجر ومالي وشمال نيجيريا، يتعلمون العلوم الدينية والعربية ويعودون إلى بلادهم لنشر تعاليم الإسلام بين أهاليهم وأفادت الدعوة السنوسية من تجارة الرقيق التي كانت رائجة في ذلك الوقت فأعتق كثير من الشباب وتعلموا القرآن وعلومه واللغة العربية وآدابها، وأرسلوا إلى مواطنهم الأصلية لينشروا ما تعلموه بين قبائلهم ومواطنيهم. وكان للعلاقات الطيبة التي تربط مؤسس الحركة السنوسية ومن تولى بعده مع زعماء بلاد السودان أثرها الطيب في نشر الدعوة الإسلامية، إذ أقر سلطان واداي واسمه محمد الشريف، الدعوة السنوسية منذ سنة 1838 م بسبب معرفته لمؤسسها السيد محمد بن علي الذي التقى به في الحجاز، وكان لنشاط الدعاة فضل نشر الإسلام بين أهل، أندي وإن كنا لا نسلم بما ذهب إليه ترمنجام من أن أهل أندي أسلموا بفضل الدعوة السنوسية ونرى أنهم أو أغلبهم قد أسلموا منذ زمن بعيد، غير أنهم كانوا يجهلون تعاليم الإسلام الصحيح واستطاع هؤلاء الدعاة أن ينشروا بينهم الإسلام الصحيح، وكان للزوايا دورها في هذا المضمار، إذ أصبحت مراكز إشعاع ديني ونشاط علمي وملجأ لعابري السبيل ومحطات لتجارة القوافل تأوي إليها كل طالب حاجة. وأنشئت الزوايا في إقليم فزان وفي أير ماسيف Air Massif بين تيدا وزنوج كاوار وتبستي وبوركو وإندي ومناطق كانم وواداي وباجرمي Bagirmi . ويقال إن تيدا اعتنقوا الإسلام سنة 1855 م بعد أن كانوا وثنيين. ويشك ترمنجام في أنهم كانوا وثنيين، ويرجح أنهم كانوا مسلمين إسلاماً سطحياً، وأصبحوا تابعين للطريقة السنوسية سنة 1872 م. وأنشئت الزوايا في كاوار بلما) Bilmm سنة 1850 م وشيمدور chemidour سنة 1879 م) وزندر Zinder . وقد ضوعفت جهود الدعوة في منطقة أير Air وفتحت المدارس بين الطوارق والزنوج وقام محمد السني، شيخ زاوية واو، بالدعوة الإسلامية بصورة مكثفة في سنة 1897 م - 1898 م، في كانو ودامجرام Damagram ودمرقو Damergo وأير، كما قام الداعية محمد البراني الساعدي من زاوية بير علالي في كانم ومحمد السني وابنه المهدي بالدعوة في برنو وبجرمي وواداي.

(1) الطيب الأشهب، برقة العربية، ص 184.

0

Trimingham، J.S.، Islam in west Africa، p.101.

ا وقد أذكى هذا النشاط العلمي والديني وعظم أثره بين أبناء أقطار وأقاليم جنوب الصحراء بعد أن نقل السيد المهدي مركز الدعوة من الجغبوب إلى الكفرة سنة 1895 م (1312 هـ)، ثم بعد ذلك إلى قرو سنة 1899 م. (1317 هـ). وقد أسست زاوية قرو في عهد السيد المهدي، وكان شيخها ومؤسسها محمد بن عقيلة الزوبي. ومن بين الذين قاموا بالتدريس في زاوية عين كلك عمر المختار قبل أن ينتقل إلى زاوية القصور. وكان شيخ زاوية عين كلك هو محمد البراني الساعدي وكانت مراكز التعليم في طرابلس ومصراته والزوايا في بقية أنحاء ليبيا تعد الدعاة ليذهبوا إلى أواسط أفريقيا حاملين رسالة الإسلام واللغة العربية. وقد كثر عدد هؤلاء الدعاة كما يذكر توماس أرنولد أنه كان يخرج من طرابلس إلى السودان ألف داعية سنوياً (1)، وهو عدد كبير بكل المقايس وربما يقصد بذلك أولئك الذين يتلقون العلم في معاهد الدراسة في الجغبوب والكفرة وبقية الزوايا المنتشرة التي بلغ عددها في ليبيا وحدها 84 زاوية بالإضافة إلى معاهد التعليم في طرابلس ومصراتة وغيرها. وقد تخرج في سنة واحدة من المدرسة القرآنية في الجغبوب ثمانون طالباً يحفظون القرآن الكريم من قبيلة واحدة هي قبيلة حسين البراعصة التي عرفت بين بقية القبائل باسم قبيلة الطلبة (2)، ومن أشهر من برز من أبناء قبيلة البراعصة العالم الشاعر اللغوي محمد أبو سيف مقرب الذي توفي سنة 1315 هـ (1897 م). وكانت حركة التجارة مزدهرة بين أقاليم وموانئ شمالي أفريقيا بواسطة القوافل التي تحمل عروض التجارة إلى مناطق السودان بمفهومه الواسع وبالعكس، وتمر بواحة جالو وأوجلة عن طريق الكفرة التي أصبحت مركزاً علمياً وتجارياً عظيماً، وبلغ عدد الإبل التي تحمل هذه التجارة 3000 جمل في سنة من السنوات. غير أن هذا الازدهار العلمي والنشاط الديني والنمو الاقتصادي تقلص بعد أن داهم الغزو الفرنسي غرب وأواسط أفريقيا جنوب الصحراء، بل استطاع أن يقضي عليها بشراسة، رغم المقاومة التي حمل لواءها المجاهدون من أبناء المناطق التي احتلت ومعهم كثير من أبناء ليبيا المقيمين هناك والقائمين على الزوايا ومن هب لنجدتهم من مناطق ليبيا وحمل لواء تلك المقاومة السيد المهدي الذي جرح في إحدى المعارك وتوفي سنة 1902 م، ثم السيد أحمد الشريف من بعده، إلى أن غزت إيطاليا ليبيا سنة 1911 م، فوجه اهتمامه لرد العدوان الإيطالي. وقد تمكنت فرنسا من الاستيلاء على تمبكتو سنة 1894 م وكانو سنة 1900 بعد أن قتل ملكها ابن رابح الذي أشرنا إليه من قبل. ثم استولى الفرنسيون على واداي التي هادنهم ملكها ثم قاومهم وحقق نجاحاً في مقاومته بين سنتي 1904 م - 1908 م، ولكنه هزم نهائياً سنة 1909، واحتل الفرنسيون واداي. أما زاوية بير علالي فقد سقطت سنة 1902 م، وقتل فيها كثيرون ممن دافعوا عنها، ومن بينهم ليبيون استبسلوا في القتال والدفاع عن هذه القلعة العلمية). ثم سقطت كوار وبلما سنة 1906 ـ 1907 م، وعين التي قتل

-

(3).

كلك

(1) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام (ترجمة) حسن إبراهيم حسن) ص 298. (2) الطيب الأشهب، برقة العربية، ص 191.

(3) الـ الطيب الأشهب، برقة العربية 244242 يورد الطيب الأشهب أسماء كثير من الشيوخ والقبائل العربية الليبية التي شاركت في هذه المعارك.

617

616