أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣١٠شيخ زاويتها محمد البراني الساعدي. وفي سنة 1909 م احتل الفرنسيون أبايش في واداي وشغل الليبيون بعد هذه المعارك بمجاهدة الإيطاليين الذين غزوا ليبيا سنة 1911 م، ولم يتمكنوا من الاستمرار في قتال الفرنسيين ونجدة أقاليم جنوب الصحراء التي احتلها الفرنسيون بين سنتي 1913 - 1914 وهي تبستي وبوركو وواجنقا وآندي وخربت كل الزوايا بهذه المناطق وشرد من فيها أو قتل، ونهبت ممتلكاتها من مال وكتب). وقد كانت الكتب تجلب مخطوطة ومطبوعة ليتيسر الإفادة منها للطلاب والمريدين، وبذلت الأموال لاقتنائها وقد حوت مكتبة الجغبوب التي آلت إلى زاوية الكفرة 7000 مجلد في مختلف العلوم العربية والإسلامية التي عبثت بها أيدي الإيطاليين عندما احتلوا الكفرة سنة
1929
الأقاليم
كان للاحتلال الإيطالي الذي شمل ليبيا كلها وقراها، وواحاتها، والاحتلال الفرنسي أفريقيا جنوبي الصحراء أثره السيئ في عزل هذه الأقطار عن بعضها وتعطيل التواصل الثقافي والإشعاع الفكري الذي كانت ترعاه معاهد التعليم والزوايا الدينية في ليبيا، ويجد سبيله إلى أقطار بلاد السودان بمفهومه الواسع، وإن كانت هجرة بعض القبائل الليبية فراراً من الاستعمار الإيطالي إلى تشاد وغيرها قد عمق الصلات الاجتماعية بينها وبين سكان البلاد الأصليين نتيجة الجوار والزواج والمعاملات التجارية اليومية.
ثم قدر الله أن تهزم إيطاليا في الحرب العالمية الثانية ويزاح كابوسها عن ليبيا، وتحررت بعض أقطار جنوبي الصحراء من الاستعمار الفرنسي فاستأنفت ليبيا دورها في صلاتها الخيرة مع هذه الأقطار، وكانت الجامعة الإسلامية في البيضاء تستقبل أبناء القارة الأفريقية في كلياتها ومعاهدها. ثم كثف هذا النشاط بعد إنشاء جمعية الدعوة الإسلامية سنة 1972 م. ثم أنشئت كلية الدعوة الإسلامية التي فتحت أبوابها لأبناء العالم الإسلامي كافة، وفي مقدمتهم أبناء القارة الأفريقية لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية وليحملوا مشعل الثقافة الإسلامية إلى بلدانهم التي أتوا منها معلمين ووعاظاً وفقهاء، وليقفوا في وجه حملات التبشير والتغريب التي تجتاح أفريقيا، وتنفق عليها الدوائر الاستعمارية الأموال الطائلة، وتسخر لها كل ما في وسعها من أسباب النجاح. كما أصبح للمراكز الإسلامية والمساجد وملحقاتها التي أنشأتها جمعية الدعوة الإسلامية دور فعال في استمرار التواصل بين ليبيا وبين هذه الأقطار الأفريقية المسلمة في غالبها ثقافياً ودينياً واجتماعياً واقتصادياً. ويمكن أن يزداد هذا التواصل ويؤتي ثماره الطيبة إذا استفيد من التوجه السياسي للجماهيرية العربية الليبية نحو أفريقيا عامة وأقطارها المتاخمة والمجاورة لليبيا خاصة، لإذكاء روح هذا التواصل قولاً وعملاً. وقد ذللت كثير من الصعاب التي كانت في الماضي. وقد تقدمت وسائل الإتصال والمواصلات البرية والجوية، فامتدت الطرق وأنشئت المطارات ويمكن أن تكون الكفرة ومطارها إذا طور محطة دولية
(1)
(2) الطيب الأشهب، برقة العربية، ص 191 و 485.484.
Ziadeh، N.، Sanusiyah … pp.67 - 68.
West Africit، p. 101
618
تربط بين مدن ومطارات البحر المتوسط وبين مدن وأقطار وسط وشرقي أفريقيا. كما يمكن أن تكون مدن فزان ومطار سبها محطة مماثلة تربط بين مدن الجماهيرية وغرب أوروبا وبين أقطار ومدن وسط وغربي أفريقيا، وتنشط بذلك التجارة، وتتجدد جسور التواصل الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين الجماهيرية وأقطار جنوبي الصحراء وما وراءها.
وقبل إنهاء هذه الورقة ينبغي التأكيد على أن أقطار جنوب الصحراء وغرب أفريقيا كونت مع أقطار المغرب العربي وحدة ثقافية ودينية واحدة ممثلة في سيادة المذهب المالكي والطرق الصوفية من تيجانية وقادرية وشاذلية وسنوسية وانتشار الزوايا الدينية التي كانت ذات رسالة علمية، وأصبحت ظاهرة واضحة في أقطار المغرب العربي ميزته عن غيره من أقطار العالم الإسلامي، وحلت محل مؤسسة «الرباط» التي كانت معروفة في أقطار شمال أفريقيا، وضاهت هذه الزوايا الدينية في عددها ورسالتها التعليمية المساجد وانتشرت في المدن والقرى، وقد كثر عددها في القرن الثامن الهجري وطورها ملوك بني مرين فأصبحت بها كتاتيب تعلم القرآن الكريم وعلوم الدين، وزاد عددها في القرون اللاحقة (1)، وكثيراً ما ألحق بهذه الزوايا غرف لإقامة الضيوف وعابري السبيل، ثم استقرت كمؤسسة منظمة ذات رسالة كبرى على يد الطريقة التيجانية، وبصورة أكبر وأعظم على يد الطريقة السنوسية. وكانت طرق التدريس وتلقي العلم هي نفسها التي تتبع في أقطار المغرب العربي وما جاورها من أقطار أفريقية إذ تبدأ بحفظ القرآن الكريم برواية ورش وقالون، ويستخدم التلاميذ «اللوح» لحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب وهي الطريقة المتبعة في تعليم القرآن في الكتاتيب في أقطار المغرب العربي كافة، وتبدأ العطلة الإسبوعية لتلاميذ الكتاتيب منذ النصف الثاني ليوم الأربعاء، ويدفع التلاميذ لمعلم القرآن أجرته الأسبوعية يوم الأربعاء من كل أسبوع. كما شاركت هذه الأقاليم الأفريقية بلدان المغرب العربي في استعمال الخط المغربي وترتيب الحروف الهجائية المغربية التي تختلف عن ترتيبها في المشرق، وكذلك دراسة أمهات كتب الفقه المالكي، وفي مقدمتها الموطأ للإمام مالك والشفاء للقاضي عياض وحكم ابن عطاء ومدونة سحنون ومختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي. ودرست في هذه الأقطار كتب الحديث وسيرة ابن هشام، وفي النحو درست ألفية ابن مالك والأجرومية، وهي الكتب التي كانت تدرس في أقطار المغرب العربي، بل حتى فن العمارة كان في هذه الأقطار الأفريقية متأثراً بالعمارة المغربية والأندلسية، فمدينة تمبكتو اختطها أحد المهندسين الأندلسيين سنة 1326 م، كما أحضر منسا موسى ملك مالي مهندساً مغربياً ليبني صومعة مربعة على الطراز المغربي للمسجد الذي بناه (2). را تمام مله
با فلغتنا
(1) حسن إبراهيم حسن انتشار الإسلام في القارة الأفريقية، ص 66، 197 هذا (2) قام منسا موسى برحلة للحج سنة 1324 م (724 هـ) من بلاده ومر بمدينة القاهرة وكان ما حمله معه من كنوز تنم عن ثراء بلاده ما يشبه الخيال فيروى أنه كان معه في القافلة 60 ألف جندي و 500 عبد بيد كل منهم عصا من ذهب، في كل عصا خمسمائة مثقال من الذهب ولتأمين حاجته من العمال حمل مائة ناقة بتبر الذهب على ظهر كل واحدة ثلاثة قناطير من الذهب نتيجة الكميات الهائلة التي الذهب، وكان سخاؤه بالذهب يثير الذهول في كل مدينة يمر بها. وفي القاهرة هبط سعر | وزعها وأنفقها وقد كانت زيارته في عهد السلطان محمد بن قلاوون الذي رحب به.
619